تصنيفات

23 سبتمبر، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

أحمد حنفى : رجلٌ عجوزٌ يبتسمُ كأنَّهُ يبكي الزَّمنُ

1 min read
أحمد حنفى

مُشاهدةٌ

رجلٌ عجوزٌ يبتسمُ كأنَّهُ يبكي الزَّمنُ، ذلكَ النَّحَّاتُ الماهرُ، الصَّبورُ، الذي ينحتُ تفاصيلَ الوجهِ يوميًّا، لا أحد بمهارةِ الزَّمنِ، الزَّمنُ لا ينهزمُ، الزَّمنُ يعلمُ جيِّدًا أنَّهُ لا ينهزمُ.بينما ينفثُ (أحمدُ) مزيجَهُ في أوجُهِ العابرينَ مِن خلفِ فتحةِ نافذتِهِ الصَّغيرةِ، مرَّ مِن أسفل النَّافذةِ رجلٌ عجوزٌ، قديمٌ في العَجَزِ، ارتعاشاتُهُ تئدُ خطواتِهِ تقريبًا، عصاهُ ذاتُ المقبضِ المعقوفِ عتيقةُ الطرازِ، والمائلُ عليها بجذعِهِ بالكادِ تُحقِّقُ لهُ بعضَ التَّوازنِ، بهدوءٍ -سمحَ لـ (أحمدَ) بتفرُّسِهِ- كانَ كأنَّهُ يمرُّ، المدقِّقُ فقط يلحظُ أنَّهُ يتقدَّمُ فعلاً. السِّيجارةُ التي لسعَت إصبعيهِ مِن فرطِ تركيزِهِ في متابعةِ العجوزِ انتزعَت منهُ آهةً خفيضةً، أبدًا.. لم يكن العجوزُ طلقًا صناعيًّا لذاكرتِهِ؛ فهوَ مجرَّدُ شخصٍ لم يُشعرْهُ بالألفةِ إطلاقًا، لكنَّ الدَّهشةَ المُنبنيةَ على الاكتشافِ هي التي سمَّرَتهُ خلفَ نافذَتِهِ يرقُبُ العجوزَ البطيءَ. رفعَ العجوزُ وجهَهُ ينظرُ لأعلى باتِّجاهِ النَّافذةِ، صافحَ (أحمدَ) بعينينِ ذابلتينِ سابلتينِ مِن الوهنِ، ثمَّ ابتسمَ، أو بكى.لم تكن ملامحُهُ بذلكَ الوضوحِ الذي يقطعُ بحقيقةِ انفعالِهِ، هناكَ وقتٌ يستوي فيه الانفعالُ، ظاهريًّا على الأقلِّ؛ عضلاتُ الوجهِ التي تفرَّقَت في حزمٍ طوليَّةٍ وأخرى عرضيَّةٍ أصبحَت حياديَّةَ التَّعبيرِ، لا تستطيعُ معرفةَ ما إذا كانَ ذلكَ العجوزُ يبتسمُ أم يبكي، مُنحدرًا لعطفةٍ جديدةٍ يدلفُها أم يئنُّ في متاهةِ الوقتِ.لم يدرِ (أحمدُ) لِمَ شعرَ أنَّ تلكَ الملامحَ المنعجنةَ، وتلكَ القسَماتِ المعروقةَ بَدَت وكأنَّها تبتسمُ، لكنَّها تلكَ البسمةُ الحرِّيفةُ.. توخزُ الصَّدرَ ولا تشرحُهُ.تقدَّمَ العجوزُ أكثرَ نحوَ قدرِهِ في هدوئِهِ المفرطِ، تقدَّمَ حتى اختفى تمامًا مِن مثلَّثِ النَّافذةِ، بينما (أحمدُ) مستغرقٌ في تفكيرٍ عميقٍ، يتساءلُ مشدوهًا.. “هل يذكرُ ذلكَ العجوزُ ماضيهِ الطَّويلَ الحافلَ؟ أم تراهُ أدمنَ التَّجوُّلَ هربًا منهُ؟!”فكَّرَ كثيرًا.. وكثيرًا جدًّا.. ثمَّ أدركَ في النَّهايةِ أنَّ هناكَ عنصرًا يفسدُ المعادلةَ، أو على الأقلِّ لا يجعلُ النَّتيجةَ لصالحِهِ، لذا.. راحَ يفكِّرُ في حلٍّ جديدٍ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *