تصنيفات

19 سبتمبر، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

زهير كريم:خزانة الأرواح المعطوبة

لسنا شياطين أو ملائكة، نحتاج للحديث عن هذه الثنائية الى أسفين، يوضع بين التوصيفين، انها الطريقة الوحيدة لنطور موقفا ينحاز للشيطان او الملاك. هذا ما أراد أن يقوله ياسين غالب في روايته +15، فنحن في النهاية أبناء الشروط،، وهي التي تقودنا الى الخير او الشر، انها تجيء من خارجنا، العوامل الضاغطة التي لتقوم بدور الأسفين المزروع في جدار ارواحنا. بول اوستر في روايته( في حجرة الكتابة) يقدم لنا شخصية الكاتب كما لو أنه محبوس بطريقة ما، في موضع مغلق، مستسلما لمرافعات تقدمها بالتناوب شخصيات رواياته السابقة ضده، حيث تظهر عملية الكتابة في النهاية بوصفها مغامرة خطرة وليست مجرد لعبة مع اللغة. رواية ياسين غالب، وفي هذه القراءة المتواضعة، تفتح لي سؤالا آخر عن عملية الكتابة، وسوف أمر بسرعة على العديد من القضايا التي يحاول ياسين _كما أرى_ تمريرها الينا. من أهم هذه القضايا ما يتعلق بالأدب بوصفه خزانة آلارواح المعطوبة، فالسارد ، والذي هو ظل الكاتب هنا، وضع نفسه في منطقة استقطاب لآلام الآخرين، عملية التدوين لشهاداتهم واحدا بعد الآخر، لم تكن مشروعا توثيقيا، ولا هواية لتزجية الوقت اثناء الانتظار، صديقته الفنلندية في النهاية تفاعلت مع المشروع، وهذا التفاعل أضفى اهمية مصيرية على المشروع، الذي ستتم ترجمته الى الفنلندية. تدوين الشهادات، ومن ثم الترجمة هي الواجهة الأدبية للألم بعدما فشلت الواجهة الرسمية في التعاطي مع الصرخة الانسانية، فالكتابة هنا هي فعل اخلاقي كان السارد مضطرا من خلاله للتدخل، السارد الذي هو تمثيل لصوت العقل الذي يوجه، ينصح، وصوت القلب الذي يحترق، وعلى الرغم من كونه سمح للجميع ان يتحدثوا عن انفسهم، لم يمنع نفسه من التدخل، محاولا ربط المصائر اثناء الشهادات المنفردة مع بعضها حتى ولو على شكل خطف، اراد للشهادات ان تظهر لنا وكأنها اعتراف واحد لمجموعة بشرية وضعتها الاقدار في بناية واحدة، رجال ونساء يواجهون مصائرهم بأجساد منتهكة وبأرواح محطمة، لهذا ظهر الراوي في النهاية مثل دمية الصبر التي انفجرت، فلم يعد قادرا على تحمل الضغط الذي سلطته عليه التفاصيل، فانفجر في الفصل الاخير، ليفتح خرطوم آلامه الشخصية مشفوعة بالألم الذي تراكم قادم من شهادات الآخرين.القضية الثانية هي ان النص هو حكاية اخرى عن الهجرة واللجوء، من هذه الناحية هي ثيمة مكررة، لكنه اختلف بعض الشيء لأنه حاول الحفر في الذات الانسانية الهشة، والتي يمكن ان يظهر منها أسوأ مافيها بفعل الضغط وعدم الرحمة، فجميع الشحصيات هنا ملائكة وشياطين في الوقت نفسه، ارواح مطحونة كما لو انها موضوعة بين المطرقة والسندان، وعلى النحو الذي جعلنا ياسين غالب متعاطفين مع االابتذال، والذي انتجته اوضاع الشخصيات في بلد الهجرة، انها شخصيات ضائعة، حاول ياسين ان يحمل الجميع المسؤولية، الغرب الفخور بواجهات تتعلق بحقوق الانسان، الانانية حتى في التعاطي مع الجسد، في الجانب الآخر يكشف اللاجئ عن استعداده لفعل اي شي من اجل وهم يعتقد بانه الحياة السعيدة، وفي الحقيقة ثمة قضية مضمرة لم يتصدى لها ياسين في روايته، تتعلق بسؤال، ماذا لو حصلت شخصيات الرواية على حقوقها منذ البدء، هل كانت تتصرف بنفس الصيغة التي اظهرها بها؟القضية الثالثة، تتعلق بالخيط السري الذي طرفاه السبب والنتيجة، فالشخصيات مشطورة بين منطقيتين، الجذر والمنفى، وهي تسقط في منطقة اللاعودة، منهم من اختصر الطريق واأهى حياته، ومنهم من باع نفسه للشيطان، ومنهم من باع جسده وظل روحا هائمة، ومنهم من تعلق بحيل الامل الطويل.القصية الرابعة تتعلق بالانساق الثقافية، حيث يظهر ان العنصر الانساني غير كاف للتعايش، فالتفاصيل كافية لتعرية الشعارات، فلا يمكن منطقيا في النهاية قبول كلام مثل: كن شجاعا وحرا وصبورا، لكي تلعب دورك بالقدر الذي تحصل فيه على التصفيق، متخليا عن سيرتك، مندمجا حتى تكون ليس أنت. هذا غير ممكن، نحن أحرار بالقدر الذي يجعلنا نتصرف كما نحن، لاكما تريد الشروط الضاغطة، والخطاب المهيمن. مركزا على قضية المثلية، والتي ظهرت في بعض فصول هذه الرواية كما لو أنها قضية أساسية ناقشها الراوي بشكل مبالغ فيه احيانا.ولا أريد ان أفتح في هذا العرض السريع مشهدا مختصرا للقصة كاملا، فهذه مهمة أخرى، لكن اريد القول إن لغة الرواية جميلة جدا، الحوارات ايضا، خاصة في الفصل الاول بين اللاجيء العراقي الذي يعمل في دار المسنين، وهانو الفنلندي المصاب بالسرطان، والذي كان تأثيره قد تسلل لجسد النص كله تقريبا، مرة بشكل معلن من خلال الحصان والفرس، حيث ظهرا في صورة قديمة من ايام الحرب العاليمة الثانية، ومرات عن طريق الاشارات، حيث ان الحرب كانت لاعبا اساسيا في توجيه مصير الشخصيات، لهذا يبدو هانو موجودا في كل منها…. زائد 15, رواية استمتعت بقراءتها، شكرا غالب ياسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *