تصنيفات

31 يوليو، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

زهير كريم :الراوي بين الشفاهية وسياقات النص المكتوب- قراءة فى رواية زواحف سامة

الراوي بين الشفاهية وسياقات النص المكتوب

.قراءة في رواية زواحف سامة

يجد القارئ نفسه في هذه الرواية، أمام مشهدية منفتحة على الريف و شوارع بلدة صغيرة تقع على تخوم الحقول. ومن جهة اخرى يشعر القارئ بان موجهات السردي منفلتة من حتميات الخطاب الروائي الصارم، فهو يشبه الى حد ما، صوت الحكواتي الذاهب مباشرة الى الأذن. الراوي الذي ركز وطوال السرد على تفكيك محرضات العنف، حيث يظهر أمام الجمهور في صورة الفريسة التي تهددها السيرة الشخصية المتوحشة، مترافعا باخلاص وجدية عن شخصياته. هذا القضية بالنسية هي من مقاصد الحكي الأساسية، والتي انتهت معالجتها بدفع البطل الى التيه في الصحراء، بذرة الشر التي لم يستطع أن يطحنها، فتركها للصدفة التي سوف تساعدها على الظهور ربما في مسرح الحدث مرة اخرى. وهو بهذا يحيل الصراع كله داحل النص الى ثنائية الخير والشر، والتي تنطوي عليهما تجربة الوجود.وفي مدخل لهذه الرواية، وضع له عبد النبي فرج عنوانا هو: الكاتب الراوي، وشائج قربى. يقدم فيه شخصية الراوي، ترافقها مرافعة لدرء الشبهات عن تاريخة، وذريعة سردية للدفاع عن شخصياته التي وصفها بالقلقة، والتي حاول أن يظهرها كما لو أنهم فريق من ضحايا شروط العيش القاسية، والانساق الثقافية والاجتماعية والسياسية المؤثرة في توجيه المصائر. لهذا ترك منصور دون ان يدبر له طريقة للقتل، لانه أراد ان يقول إان الشياطين تنجب اخرى بدون انقطاع,والرواية هي حكاية كاتب قصص، الراوي نفسه،الشخصية المهيمنة على مسار السرد، مهيمن بالرغم من محاولته بان يكون في موضع الحياد، وبالرغم ماسوف يظهر من شخصيات كثيرة، منها ما يأخذ مساحة كبيرة من النص مثل منصور والبقال و الفران وام منصور، وشخصية محمد وغيرهم. لكن كاتب القصص كان يختبئ دائما خلف هذه الشخصيات التي كان يخلقها تباعا، لكي يتحكم بمصائرها, على النحو الذي يجعله قادرا _ من خلالها_ أن يشرح طبيعتها المضطربة، سيرته هو بطريقة المواربة، وفي الحقيقة انه كاني فعل ذلك كي يساعده القارئ على فهم ذاته القلقة، أو ان يجد له العذر. إذ انه وطوال السرد كان مصمما على التخلص من ذكرياته المرة بتسريبها لشخصيات يخلقها، حريصا على ان تكون شبيهة به، او فيها بعض منه ، لكنه في النهاية اراد أن يضع سيناريو لقتل منصور، النسخة المطابقة للراوي لكنه فشل، وفي الواقع انه فشل في قتل ذاته المضطربة، وكان الراوي قد احتفظ خلال الجزء الاكبر من الرواية بكونه المحايد الذي لم يختلط في مشهد واحد مع شخصياته لكنه في الصفحة 152 يقرر الافصاح عن نفسه باعتباره واحد من اهل البلدة، تربطه بهم وشائج قربى، لقد كان متعبا وحياته السابقة كانت قد ضغطت عليه، ا التقى بالعم الحسيني وفي داخله هشاشة عكس ماقدمه لنا في الفصل الاول عن تاريخه الشخصي المليء بالقوة. وهو بهذا عرض لنا صورة ليست تقليدية عن الكاتب المتعالي الذي يظهرعلى لشاشة المحتمع، يتهم ويمنح البراءة من موقعه، بل قدم الكاتب باعتباره غير منطو على أي تفرد، وأن اي توع من التفرد زائف، لان الكاتب بالنهاية هو خيط آخر في النسيجة الثقافية المتشابكة.والسرد في رواية عبد النبي فرج زواحف سامة، ينطوي على اشتغال في منطقة بين الكتابة والشفاهية، حيث يحضر نوع من الوعي في الخطاب المتخيل، يعتمد على توظيف الشعبي وملاحقة الحيوات في المناطق الريفية، او تلك التي تقع تخوم المدن، معتمدا على الذاكرة القبلية واساطيرها وأعرافها، واثر هذا كله في تشكيل العلاقات بتععد سياقاتها. مقابل حالة وعي بالمتغير النفسي الذي يحصل لشخصياته، موظفا مستويات متعددة من الخطاب، واللغة والتقاليد الشفاهية ، إذ يقدم الراوي لنا نفسه في مقطع في صفخة 92 باعتباره حكواتيا واصفا منصور وهو بين قبضتي صاحب الحقل بأسلوب ولغة تحيلنا الى النصوص التراثية للحكي: حكى منصور الحكاية من البداية للنهاية، طالبا الغفران من الشيح الجبان، الذي يقرض على السنان وبه شرهامان……والحكاية باختصار هي سيرة السلالة الكاملة لمنصور، الطفل الشيطاني، والذي وضعه الكاتب في مركز النص باعتباره قرينا له، سحب منه خيوطا لحيوات شخصياته ليستكمل بةاسطتها سيرته التي بدأت من الجد سالم، مستعرضا تاريخ ثلاثة اجيال من الفلاحين، انتهى بهم الحال الى العيش في بلدة على تخوم الحقول، فرانون وبقالون وعمال وخضارون، ولصوص وقتلة ايضا.تطرح زواحف سامة في مضمرتها النصية، حوادث تبدو هامشية لكنها تتعلق ببواعث الكتابة بشكل عام، فالكاتب يفاجئنا في مدخل مهم : الكاتب، الراوي وشائج قربى ، وطوال الفصل كان يشرح حططه باعتباره خيط في النسيجة السردية، يبحث عن الأسرار المدفونة التي وقعت في الشوارع التي وصفها بالقلقة، بدأها مباشرة بحكاية منصور، الطفل الشخصية الرئيسة في الرواية، ولكن لماذا منصور بالذات؟ لقد حضرت شخصيات كثيرة لكن لمنصور حضوره الطاغي، الجواب في المدخل، فكاتب القصص الراوي يبحث عن اجابات تتعلق به شخصياـ بسيرته، طفل تعرض للانتهاك النفسي من ابوين قاسيين لم يفهم قسوتهما الا فيما بعد، وكأنه في حكايته اراد ان يجد لهما العذر والمغفرة، طفل يبحث عن شبيها له، بقكك شخصيته وافعالة، لكنه في الحقيقة يحاول تفكيك سيرته نفسها… بل وطبيعة المكان القلق بكل تناقضاته الاجتماعية والنفسية، المكان المحايد بين الحقول والمدينة، والذي عبر عنه في الفصل الاول، والراوي نفسه عاش في موضع محايد فهو يقول في بداية الرواية بان أمه انجبته على عتبة الدار، وهذه الاشارة كانت حاضره في حياته، فهو اذا دخل لايخرج حتى يتعفن، واذا خرج لايعود الا اذا فرغن الشوارع، كبر ولم يترك شيئا مقيتا لم يفعله شيطانا مكروها مبتذلا ، ولد لديه شعور بالخزي، وايضا رغبة في احلام اليقظة ، احلام الثراء بكل تجلياتها وايضا حلمه في ان يكون كاتب قصص، لماذ كاتب قصص ، لأنه يريد ان يكتب نفسه، هذا مايظهر لنا فيما بعد ، وهو جزء من مصمرات النص، لكن الراوي لم يكن راضيا عن نفسه، كان يشعر بانه مهدد دائما بطفولته المريرة، بشراسته التي خفت بعدما كبر وصار ابا لاطفال، وهو في الفصل الاول اسهب في مرافعته كما لو انه اراد ان يمنح المغفرة والعذر لكل الشخصيات التي ستظهر في الرواية وهي تجر تاريخا من الاخطاء، لهذا في الصفحة 75 يقول… لابد ان اقتل منصور… انه يريد قتل الطفل المعذب المضطرب، والذي لم يحافظ عليه حتى، فصارتحياته مشطورة، ولقد خطط بالفعل لقتل منصور، لكنه في النهاية لم يستطع اكتفى بوضعه تحت عجلات سيارة، لم يمت نقله الى المستشفى وخرج معافى بحال احسن من السابق، لقد اشفق على نفسه عندما اشفق على منصور. لقد كان الراوي مشغولا بهذه الشخصية، اخترع له عما وابنة عم، ودفعه للعمل كراع عند عمه، لكي ينجيه من الخطر الذي لا يشعر به ، يريد اني يجعله مستقيما ومثل الناس وكان اجمل المشاهد، مشهد عراك منصور مع ابنة عمه سلمى التي لاتهزم.مستويات اللغة متعددة في هذا النص، بين لغة الراوي المحايدة والتي ينتقل فيها بسلاسة بين العربية والمحكية، لغة الحوار، لغة المحاكاة للنصوص التراثية وبين اللغة الصوفية في مشهد الصوفي عم عبدلله مثلا.تصدت الرواية ايضا لعدة قضايا يتسم فيها الريف المصري، اشياء مسكون عنها مثل زنا المحارم، أو قضية موت الاطفال حديثي الولادة كما حدث للراوي نفسه، والذي عاش بعد العديد من الاخوة الذين ماتوا في طفولتهم، تصدت الرواية أيضا لقضية الثأر والسياقات الثقافية التي تتحكم بها، الى فساد السلطة، والنفاق الاحتماعي، حافظ فيها عبد النبي فرج على وجود الراوي في منطقة محايدة بين الشفاهية المتمثلة بخطاب الحكواتي، والمكتوب كخطاب السارد في النص الروائي بتحولاته مابعد الحداثية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *