تصنيفات

25 يوليو، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

زهير كريم :(البازل) في لعبة السرد.. قراءة في دفاتر الوراق

من المؤكد ان القارئ هو شريك فعلي في العمل الادبي، فصناعة النص الأدبي عملية معقدة، لايكتمل معماره دون وجود هذا الشريك. لعبة يشترك فيها الكاتب والنص والقارئ، وعملية الانتاج بهذا هي نوع من الدراما التي يتخللها التحليل النفسي، والذي يعتمد توافقات الأطراف الثلاثة للاقتراب من مقاصد العمل. في رواية دفاتر الوراق، يعتمد جلال برجس على هذا المعمار السرديّ التفاعلي، والذي يشبه الى حد ما لعبة (البازل) قصاصات لا يمكن تبين الخيوط الواصلة بينها خللال جزء كبير من السرد، حكايات تبدو كأن لا رابط بينها، لكن الكاتب في منطقة من النص محسوبة بعناية، يبدأ بدعوة القارئ لمشاركته بتجميع قصاصاته، دفاتره المنثورة لتشكيل الصورة النهائية، وهي الباعث الرئيس، والمقصد النهائي الذي لابد من تحققه عند نهاية الزمن السردي، والذي يعادل 370 صفحة. حيث تعاضد الفضل في استعراض السيرة المخبوءة في دفاتره، مع خصوبة الوقائع في إحداث الصدمة. والتي اختصرها جلال برجس بالكابوس، كابوس وجود نا كبشر على هذه الأرض.يرد في أحد فصول الرواية اقتباسا لفرويد صفحة 119، يفتح لنا الكاتب من خلاله نافذة على منطقة مهمة من العمل، فجلال برجس في النهاية لم يكن معنيا بالزخرف اللغوي بقدر اهتمامه بدفع السرد الى منطقة يمكن للقارئ في تضاريسها المواصلة بدون مطبات، يقول فرويد:: المشاعر المكتومة لا تموت ابدا، انها مدفونة وسوف تظهر لاحقا بطرق بشعة. وهذه الجملة بالفعل هي نافذة كان موقعها في النص مناسيا، فهي أطلت على المشهد الواسع التي تحركت فيه الشخصيات، ما سبق من وقائع وما سوف يأتي، فالجميع في هذه الرواية يعانون من أزمة في وجودهم، ضغطت عليهم تفاصيل سيرتهم الشخصية، فظهروا في حالة اضطراب. جلال برجس، وفي هذا المعمار السردي كان ناحجا، المعمار الذي بناه بالاعتماد على دفاتر عديدة، دفتر ابراهيم، السيدة نون، الصحفية، جاد الله الأب، السيدة ايميلي التي هي صاحبة دفتر الدكتور يوسف، واياد نبيل الغني المتنفذ الذي تخلى عن ابنة يوسف، وهو الذي استولى كشك الوراق، وناردا التي يحبها ابراهيم التي تكتب مسلسلا هو في الحقيقة دفتر ابراهيم العائلي، دفتر ليلى الخارجة للتو من الميتم، مريم واسماء الذاهبات في طريق مظلم. ولم يكن في النهاية امام الكاتب سوى التحضير لأنهاء لعبته، جمع كل قطع البازل لنظهر لنا الصورة الكاملة، حيث تلاشت الحدود بين الشخصيات المتباعدة، فحضرت كلها كلها في لقطة نهائية كانت متشابكة الوقائع، سماها دفاتر الوراق.ومن جهة اخرى، اعتمد الكاتب على التناصات، الذريعة السردية التي تتعلق ببناء شخصية ابراهيم، الكائن المضطرب، والذي تقمص أرواح شخصيات الروايات التي قرأها، فكانت هناك اقتباسات واشارات الى أعمال ادبية تحمل في إحالاتها بعدا تفسيا مرتبطا بتطور البناء النفسي للشخصية، نجيب محفوظ في اللص والكلاب، همنغواي، ودستوفسكي، بوريس باسترناك، في الدكتور زيفاكو، موسم الهجرة للشمال، هذه الاعمال كانت المحرض على عقد ابراهيم مع الشيطان بعد مقاومة طويلة خسرها في النهاية، وكانت هذه اشارة لفاوست في عقده مع الشيطان…. حيث يظهر ابراهيم في النهاية في شخصية عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ.، يرتدي ملابسه وهو يسطو على منزل السيدة ايميلي.والحقيقة ان قراءة هذا العمل ليست سهلة اطلاقا، فاللعبة السردية اعتمدت الغموض الذي يرافق عادة الشخصيات المضطربة نفسيا، ابراهيم الذي كان في صراع مع الشيطان الذي في داخله، وكان طوال الزمن الروائي، يقاوم دعواته المستمرة للذهاب بعيدا في مساحة الجريمة، استسلم في النهاية، لينتهي العمل باكتشفانا ان الدفاتر هي عبارة عن كوابيس، كوابيس الناس، والمدينة، بل وتجربة الوجود المليئة بالألم، حيث تظهر الشخصيات هشة، محطمة، ترافقها الانكسارات. كائنات عانت من تجربة وجودها، وتدخلت في صناعة هذه المعاناة، السياسة والايلوجيا، الاعراف الاجتماعية، والفوارق الطبقية، حيث كانت هناك اشارات كثيرة مبثوثة في العمل، تتعلق بجرائم غسل العار، الاعتقالات السياسية، الحروب الوهمية، وايضا الفساد الحكومي والذي جعل عمان مدينة الفوارق الطبقية المرعبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *