تصنيفات

17 يونيو، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

أمنة برواضي: قراءة فى رواية عزازيل

قراءة في رواية عزازيل

أنشرها نزولا عند رغبة بعض الأصدقاء

للكاتب المصري: يوسف زيدان.

رواية عزازيل عبارة عن مخطوطات كتبها هيبا الراهب في القرن الخامس الميلادي تحت إلحاح عزازيل الذي كان يأمره بالكتابة: ـ اكتب يا هيبا كأنك تعترف بكل ما اقترفته من آثام. فكتب كل الأحداث التي مر بها في رحلة حياته التي بدأت منذ هروبه من قرية أبيه بعد قتله، وزواج أمه من أحد قتلة أبيه.وقد تم تدوينه لهذه الرقوق بعد مضي عقدين من الزمن على الأحداث، التي تتناول بالتحديد فترة حرجة من تاريخ الكنيسة في القرن الخامس الميلادي، وما حدث من انشقاق في كنيستي أنطاكيا والإسكندرية.تبدأ الرواية بخروج الراهب هبة إلى الإسكندرية، وقد قضى أياما في التجوال فيها قبل الذهاب إلى الكنيسة المرقسية، كان خلالها مندهشا بجمال ما رأى في الإسكندرية من عمران وأرصفة وشوارع … وبكنائسها… وقد جاء بوصف دقيق ورائع لكل ما وقعت عليه عيناه.كما تطرق إلى اضطهاد المسيحيين للوثنيين، وكيف تم هدم معبد السرابيون الكبير على رؤوس الوثنيين المعتصمين بداخله، ووضع تمثالهم الذي يمثل الإله وسط الطريق ليفجع الوثنيين بمصير معبودهم ويخلد انتصاره عليهم بإهانة آلهتهم إلى الأبد.كما تطرق إلى ما يعيش عليه اليهود من كراهية الوثنيين لجشعهم، ودمثهم من المسيحيين لوشايتهم بالمخلص وتسليمه للرومان ليصلبوه.. ويتساءل هيبا عندما يصل إلى صلبوه: ـ أتراه صلب حقا؟ في الإسكندرية سوف يلتقي بأوكتافيا الوثنية وأخبرته عن أستاذة كل الأزمان هيباتيا ابنة العلامة ثيون الأستاذ الفيتاغوري.لكن أوكتافيا تخلت عنه رغم ما كانت تكنه له من حب بعدما علمت بديانته المسيحية.بعدما طردته أوكتافيا ذهب إلى الكنيسة المرقسية، وحين رأى الأسقف كرُلُّس لأول مرة كانت ثيابه محلاة بخيوط ذهبية بينما الصليب كان من الخشب عليه تمثال يسوع من الجبس تتساقط الدماء من جبهته .. وأثوابه بالية ممزقة هذه المفارقة شدت انتباهه.وفي الكنيسة أخبره أحد الرهبان أن حضور محاضرة هيباتيا ذنب لا يغتفر، ونصحه بألا يذكر اسمها ثانية. كان الأسقف كرُلُّس يحذرهم من معاودة النظر في عقيدة فيلسوف مات منذ قرن ونصف وقد اشتغل باللاهوت.كما قام بالتحريض على مقتل هيباتيا التي تشتغل بالفلسفة والرياضيات، وعندما جاءت أوكتافيا لحمايتها قتلت بدورها. بعدما خسر هيباتيا التي تعلق بها، وشهد سلحها ومقتلها كما شهد مقتل أوكتافيا رحل ليلا من جديد مبتعدا عن الإسكندرية. وبعدما وصل إلى منطقة بأعلى دلتا النيل قام بِعَمْدِ نفسه من جديد وأعطاها اسما جديدا وهو الذي ظل يعرف به، وهو نصف اسم هيباتيا “هيبا”.ظل هيبا طيلة رحلته بين الأديرة مترددا في الرهبنة ومشككا فيها، يقول مرة متسائلا:” لقد أمضى يسوع حياته خارج الجدران لماذا يموت الإنسان قبل الموت..”بعد لقائه بنسطور في أورشليم الذي جاء مع الحجاج الرق 11 ، حكى له ما وقع مع هيباتيا وكيف أن الأمبراطور تيودوسيوس الثاني، اكتفى بطي الصفحة وإرسال تنبيه إلى رهبان الأسكندرية بعدم اختلاطهم بالناس في الأماكن العامة بالمدينة.كانت أيام هيبا بأرشليم جيدة بعد مجيء نسطور لكن بعد رحيله من جديد إلى أنطاكيا ترك لهيبا رسالة إلى رئيس الدير بحلب التابع إلى أنطاكيا.وبعد استقرار هيبا في دير بحلب أنشأ مكتبة هناك واستمر يعالج الناس، ويشتغل باللاهوت، وكان بالدير الراهب الفريسي الذي يخوض في الكلام حول الأقانيم الثلاث المقدسة: الأب والإبن وروح القدس، وقد نهاه رئيس الدير عن ذلك لأنه يؤدي إلى الفلسفة كما يؤدي إلى الفتنة وهذا أمر غير مرغوب فيه..كما تطرق في ص 257 كيف بدأ الصراع بين نسطور وكيرُلُّس رئيس أساقفة الأسكندرية. في هذه الأثناء تحضر مارتا مع خالتها العجوز لتستقر بجانب الدير، ويقع في غرامها وينتهي كل شيء برحيلها وهو مصاب بالحمى. في هذه الفترة كان الصراع قد اشتد بين كل من كرلس ونسطور، وكان أن عقد كيرلس المجمع قبل وصول الأمبراطور وعزل الأسقف نسطور، وكذلك فعل نسطور وعزل كيرلس.ولما وصل الأمبراطور قام بعزلهما معا لكنه بعد ذلك أعاد كرلس إلى رتبة الأسقفية وأقر عزل نسطور بعد تخلي الأساقفة عنه وانحيازهم إلى كرلس.وهكذا بعد شفاء هيبا من الحمى التي دامت 20 يوما أخبروه أنه كان يهدي باسم مارتا وعلم برحيلها وانهزام نسطور وغياب عزازيل عنه الذي كان يحاوره باستمرار ويملي عليه ما يفعله لم يعد أمامه إلا الموت. لكن عزازيل خاطبه من جديد، وقال:ـ أمامك حياة طويلة فلا تفكر الآن في الموت.ـ عزازيل أين أنت؟ـ أفهمه أنه كان وسيظل معه.وهنا أمره بكتابة هذه المخطوطات، ويرحل بعدما وضع الرقوق داخل صندوق دفنه تحت صخرة. هذه الرقوق التي سيتم العثور عليها مكتوبة بالسريالية؛ وهي لغة حلب بحالة جيدة في منطقة الخرائب الأثرية حول محيط قلعة القديس سمعان العمودي قرب حلب.وتنتهي الرواية بالرق الأخير الذي قال عنه هيبا أنه لم يكتمل وربما يملأه من يأتي بعده وسوف ينام ليرحل مع شروق الشمس حرا.يوسف زيدان كتب عزازيل حياة الرهبان بكل تفاصيلها وكأنه واحد منهم مع العلم أنه مسلم، كما صور لها هيبا بطل الرواية متمردا وجبانا في الآن نفسه؛ ظل طول رحلته بين الأديرة يبحث عن الأمان الذي افتقده بفقد والده.كما أنه كان يريد التعمق في الطب وطلب هذا العلم ولم يفلح في ذلك كما لم يفلح في حياة الرهبنة لأنه لم يكن مقتنعا بها، ولم يستقر به الحال في دير نظرا للاضطرابات التي كانت يومها في الكنائس، وعزازيل الذي ظل يرافقه طيلة رحلته التي لم تنته بنهاية الرواية.كما تطرق فيها بشكل دقيق إلى الخلافات اللاهوتية التي كانت بين القسيسين فيما يتعلق بطبيعة المسيح ومكانة السيدة العذراء.كما صور لنا الاضطهاد والظلم الذي مارسه المسيحيون على الوثنيين بعد أن أصبحت الديانة المسيحية أكثر انتشارا في مصر، نموذج ما وقع مع هيباتيا وأوكتافيا.يدعو يوسف زيدان في روايته إلى تسامح الأديان، وقد جاء على لسان الراهب هيبا قوله في ص: 120 الرق 6 ” فلا يجوز لإنسان إهانة عقائد غيره من الناس وإلا لهانت كل الاعتقادات وأهينت ولم يصح أي دين لأي إنسان…”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *