تصنيفات

24 يوليو، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

توماس برنهارد وكتاب ” صداقة مع ابن شقيق فيتغتشاين “

 كتاب/«صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتاين»

المؤلف / «تومارس برنهارد»

ترجمة/ «سمير جريس»

صادرة عن/ داريّ ممدوح عدوان وسرد

المضمون:

هذا الكتاب الذي يحكي فيه برنهارد عن جزء من سيرته الذاتية والصداقة التي جمعته بـ «باول» ابن شقيق الفيلسوف النمساوي «ليدفيغ فيتغنشتاين»، يُمكن أن يُصنَّف كـ «رواية»، ويمكن أن يُصنَّف كـ «سيرة»، والأفضل ألا يُصنَّف على الإطلاق، هو فقط حكاية صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتاين.

و«ليدفيغ فيتغنشتاين» هو واحد من أكثر الفلاسفة تأثيرًا في فهم الفلسفة ومشكلاتها، ولد في فيينا عام 1889 لعائلة شديدة الثراء والنفوذ وهو أصغر أبناء العائلة. بعد وفاة أبيه ورث ثروة عظيمة، وهي الثروة التي خلّفها وراءه وأخذ يترحل إلى أكثر من بلد. وقد نشر كتابه الأول «رسالة منطقية فلسفية» عام 1921، وفيه ناقش علاقة المشكلات الفلسفية باللغة، حيث رأى أن أساس مشكلات الفلسفة تتعلق باللغة وتعاملنا معها، فالكلمة الواحدة لا تُولِّد نفس الصورة في أذهان المستمعين أو القرّاء، وبالتالي يختلف فهم كل منهم لنفس الكلمة، ومن هنا تتولد مشكلات التواصل.

الكتاب يتخذ من ليدفيغ فيتنغشتاين نقطة الانطلاق فقط، فمحور الحديث هنا هو ابن شقيقه باول، الذي توطدت صداقته بالكاتب عام 1967، عندما كان الكاتب يُعالَج في مصحة لأمراض الرئة وكان باول (ابن شقيق فيتغنشتاين) على بُعد 200 متر منه في مصحة الأمراض العقلية، وقد كانت بداية معرفتهما في بيت صديقة مشتركة. ويقول برنهارد عن هذا اللقاء إنه علم منذ اللحظات الأولى أن علاقةً ما ستجمعه بـ «باول»، وأنه أمام شخص حاد الذكاء بشكل لا يُصدق، خصوصًا عندما يتحدث عن الموسيقى والأوبرا، التي كان مهووساً بها لدرجة غير محتملة.

الكتاب يبدو طريفاً في بدايته خصوصاً مع حس برنهارد الساخر من ذاته ومن الآخرين دوماً، لكنه يتجه نحو التراجيديا سطراً بعد سطر ثم يعود للسخرية مرة أخرى، في لعبة جميلة شديدة التأثير أتقنها برنهارد تماماً.

يحكي في البداية عن «باول» المجنون الذي أضاع ثروة طائلة مثل عمه «ليدفيغ»، أضاعها بتوزيعها على الأصدقاء والفقراء في الشوارع، كان يسير يومياً في الشارع بآلاف الدولارات ويوزعها على المارة ثم يعود لمنزله، ظل يفعل هذا حتى استيقظ أحد الأيام مكتشفاً أنه أفلس تماماً. والآن «باول» في مصحة الأمراض العقلية، يخرج منها ويعاودها كل فترة زمنية، وكما يقول برنهارد كانت تلك الفترات الزمنية التي يقضيها «باول» خارج المصحة تقصر مع مرور الوقت.

يصف برنهارد صديقه «باول» بأنه فيلسوف مثل عمه تماماً، لكنه فيلسوف نشر جنونه ولم ينشر فلسفته، بينما عمه ليدفيغ مجنون نشر فلسفته ولم ينشر جنونه، ويتحدث برنهارد عن «باول» كأنه أسطورة في الذكاء والمعرفة والثقافة، فمثلاً معرفته بالأوبرا تفوق أي موسيقي آخر على الكوكب، فقد زار كل قاعات الأوبرا في العالم، واستمع إلى كل كبار الموسيقيين، وكان قادراً كما يصف على أن يتسبب في إنجاح عرض أوبرا أو إفشاله، لأنه كان دائماً أكثر الجماهير حماسةً، فلو أُعجب بعرض يكون أول المصفقين والمهللين في القاعة، ولو لم يعجبه يشجب ويسب ويحرِّض الجماهير ضد العرض.

الغريب في هذا الأمر أن تلك السلوكيات لم يكن لها علاقة أبداً بجودة عرض الأوبرا من عدمها، بل لها علاقة مباشرة بمزاج «باول» الشخصي وقتها، هذا المزاج العصبي المتغير على نحوٍ طريف وبائس للغاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *