تصنيفات

18 يونيو، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

من ديكارت إلى هيغل

1 min read

يعد رينيه ديكارت (1596-1650) أبرز العقلانيين في الفلسفة الحديثة، وقالوا عنه هو مؤسسها، إذ تميز نهجه الفكري بإيجاد فلسفة عملية تهتم بالتجربة وتتفاعل مع نتائجها. فالمعرفة اليقينية التي لا يعتريها الشك، وفق رأي ديكارت، تعتمد على مدى معرفتنا بوقائع التجربة، والسبيل إلى ذلك، أن نقوم بعملية فكرية ثلاثية الركائز: حدسية وتجريبية واستنتاجية. الأولى لتسمية المبادئ الأولية الموضحة لكل شيء، الثانية من أجل أن نستخلص من هذه المبادئ نتائجها المباشرة، والثالثة في تناول الوقائع ومقارنتها مع مبادئ التفسير الموضوعة بشكل سابق للتجربة.

وأن “تعدد القاعدة جميع الأنشطة الفكرية التي يمكننا من خلالها الوصول إلى معرفة الأشياء من دون أي خوف من الخداع. فهي تسمح بحدسين واستقراء فقط. وأعني بالحدس ليس التأكيد المتذبذب للحواس، أو الحكم المضلل للخيال الخطأ، ولكن التصور الذي يتكون من الانتباه العقلي الواضح، فهو سهل للغاية ومتميز بحيث لا يترك مجالاً في ما يتعلق بما نحن عليه من فهم”. (كتابات فلسفية، طبعة إنجليزية). 

إذ يعتقد ديكارت أن العلوم مترابطة بشكل وثيق لدرجة أنه لا يمكن دراسة علم ما بمعزل عن بقية العلوم. وأن العقل يمتلك وسيلتين للارتقاء إلى معرفة الحقيقة، الحدس والاستنتاج. الأولى، الإدراك البديهي الذي ينشأ من أنوار العقل، ويدرك الفكر اليقظ بوضوح وتمييز بحيث لا يطاله الشك، وليس الحدس المتقلب الذي نتلقاه عن طريق الحواس، أو الحكم المضلل الصادر من المخيلة المشوشة بالفطرة. الثانية، استخلاص من شيء نعرفه معرفة موثوقة مؤكدة، نتائج تنجم عنه بالضرورة، فهناك أشياء ليست بديهية في حد ذاتها لكنها يقينية، شريطة أن يستنتجها الفكر من مبادئ صحيحة.

بالاختصار، فإن القضايا الأولى الصادرة من المبادئ تكون معرفتها، إما عن طريق الحدس أو عن طريق الاستنتاج وفق ما يُنظر إليها، ولكن المبادئ نفسها معرفتها بالحدس وحده، والنتائج البعيدة بالاستنتاج فقط.

ولقد أرسى ديكارت لفكره أربع قواعد ترشده في طلب المعرفة الحقة، وهي:

القاعدة الأولى، ألا أقبل أي شيء على أنه حق ما لم يتبين لي بالبداهة أنه من الوضوح والجلاء بحيث لا يبقى لدي مجال للشك فيه.

القاعدة الثانية، أن أُقسم المشكلات المبحوثة إلى ما يمكن وما يلزم من تجزئة لحل هذه المشكلات بأفضل طريقة.

القاعدة الثالثة، أن أطرح أفكاري بالترتيب، مبتدئاً بأبسط الأشياء المستساغة علمياً، ثم بالتدريج إلى معرفة أكثر الأشياء تعقيداً.

القاعدة الرابعة، أن أضع في كل مجال الإحصاء والمراجعة الكاملة التي تجعلني على ثقة بأنني لم أهمل شيئاً ما.

صفوة القول، إن ديكارت يقابل بين العقل والحواس، فالأخيرة مجرد أدوات عملية يسدي نتائجها النفع العام في الحياة، إلا أنها خالية من القيمة بالنسبة إلى المعرفة. أما العقل، فهو نوع من الإشراق الخارق، والله هو الذي وضع في الإنسان فطرياً بعض الأفكار، وهي المعارف الأولية.

إن المعارف الأولية، بحسب قول باروخ سبينوزا (1632-1677)، هي أصلاً مغروسة بالإنسان تلقائياً، لأن الله هو جوهر هذا الوجود، وباقي الجواهر متضمنة فيه ومنبعثة منه. إن “الفكر هو صفة الله، أو أن الله هو تفكير الشيء، وإن الأفكار الفردية وهذا الفكر هي أنماط تُعبر بطريقة معينة وحاسمة عن طبيعة الله. لذلك، فإن الصفة التي تنطوي على مفهوم كل الأفكار الفردية، والتي من خلالها يتم تصورها، تتبع إلى الله. فالفكر إذاً هو إحدى صفات الله اللانهائية، التي تُعبر عن وجود الله الأبدي اللانهائي”. (الأخلاق، طبعة إنجليزية). 

والإنسان يدرك الواقع الخارجي من خلال شكلين اثنين، وهما “الامتداد والفكر” أو “المادة والعقل”، وهما صفتان للجوهر الذي ندركه خارجياً بحواسنا كونه مادة، وبشعورنا باعتباره فكراً. كما أن هاتين الصفتين ليستا منفصلتين الواحدة عن الأخرى، وإنما هما جانبان خارجي وداخلي لحقيقة واحدة، الجسم في تكوينه العضوي، والذهن في الحالة العقلية المناظرة لها. وهكذا نحن نعرف الحقيقة، إما مادةً أو فكراً عن طريق الإدراك الحسي أو الفكرة فقط.

وفي تناوله لـ”قوة العقل”، يذهب سبينوزا في تقسيم المعرفة إلى ثلاثة أنواع، حسية استقرائية وعقلية استنتاجية وعقلية حسية. بالنسبة إلى المعرفة الحسية الاستقرائية، تكون فاعلة ومنفعلة بحسب الضرورة المعرفية التي تحصل عليها النفس، في الأولى، بوصفها تملك أفكاراً عامة، والثانية، بوصفها عاجزة عن إدراك طبيعتها وطبيعة الأشياء الخارجية، لأنها خاضعة إلى تأثيرات وعلل خارجية مناقضة لطبيعتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *