تصنيفات

24 يوليو، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

على حسين : في ذكرى رحيله ..سلفادور دالي : لم يعلمني أحد كيف أموت

1 min read

كان يتمنى أن يعيش حتى سن المئة ، ليتغلب على منافسه في الفن والحياة بابلو بيكاسو الذي عاش اثنين وتسعين عاماً ، لكن خبر موته سيعلن في الثالث والعشرين من كانون الثاني عام 1989، وكان يبلغ الرابعة والثمانين ، وفي آخر رسائله سيكتب :” إنني أنشد الحياة في العالم الآخر مع غالا ” .. كانت زوجته ” ديميتريفنا دياكونوفا ” والتي ستحمل اسم غالا ، قد توفيت في حزيران من عام 1982 ومنذ تلك اللحظة رفض سلفادور دالي الاستمرار في العيش ، قال لمساعده : ” حصل ما كنت أخشاه لقد متّ قبلها إذاً ” .كان اللقاء الأول في بيت سلفادور دالي حيث زاره في نيسان من عام 1929 مجموعة من أصدقائه السيرياليين ، من بينهم الشاعر بول إيلوار وزوجته غالا ، وهي ابنة محامٍ روسي، ما أنْ رآها دالي ، حتى توقف عن الكلام ، يكتب في يومياته : ” كل شيء ابتدأ من الباب ، في أحد الأيام دخلت الغرفة وكان الباب مفتوحاً ورأيتها تفجر الحب في داخلي، ومنذ تلك اللحظة قررت أن تكون هذه المرأة لوحدي ” . وسيظهر هذا الحب في العديد من لوحاته إلى درجة إنه كان يوقع على بعض لوحاته باسمه واسم غالا معاً.يقول لطبيه وهو ينصحه أن لا يفرط في التدخين والشرب : ” لقد تعلمت الدرس من سيرفانتس ، فأعظم شعراء إسبانيا مات فقيراً معدماً ، ولهذا أريد أن أموت وأنا أتمتع بكل أصناف الحياة ومعها الملايين بالطبع .. يتذكر إنه كان يرسل كل سنة بطاقة بريدية الى غريمة الاسباني القصير ” بيكاسو ” يذكره فيها بقصة قديمة حدثت لهما أيام كانا يحاولان أن يجدا مشترين للوحاتهما لكن جهودهما تنتهي دوما بالفشل فيندفع هو صائحاً : “كل يوم لا مال ولا نساء” . لا يتذكر أن بيكاسو يوماً أرسل له رداً على بطاقاته البريدية ، وحين تقرر مجلة لايف أن تجري معه حواراً يشترط أن تكون صورته على الغلاف ، يقول لمحرر المجلة : ليست محاولة لتقليد الصعلوك الإسباني ( بيكاسو ) ، صحيح انه كان موهوباً ، لكن دون مهارة ” .ولد سلفادور دالي في صبيحة يوم الحادي عشر من أيار عام 1904 ، في بلدة فيغوراس التي تقع شرقي إسبانيا ، يكتب في يوميات عبقري إن :” حياتي داخل الرحم انتهت في اليوم الحادي عشر من أيار ، حيث ولدت من بطن شرعية حملتها ( دونيا دوم روسيتبل ) كانت أمي في الثلاثين من عمرها ، وتقول شهادة الميلاد إن والدي هو سلفادور دالي إي كوزي ” ، كان والده يعمل كاتباً للعدل ويحظى باحترام المدينة ، في شبابه تمنى أن يصبح رساماً لكنه فشل ، فنقل حب الفن الى ابنه ، وقد منح اسم سلفادور من قبل لشقيقه الذي توفي قبل ثلاث سنوات من ولادته ..وسنجده في كتابه الحياة السرية يكتب :” منذ نعومتي اعتدت رذيلة اعتباري مختلفاً عن غيري من البشر الفانين ” ، ظل يعتقد ان حياته كانت سلسلة متواصلة من الاخطاء ، ولهذا أصرّ على أن تكون هذه الحياة مختلفة ، متمردة ، غريبة الأطوار .. سيختار لنفسه أزياء لافتة وغريبة ، فقد قرر أن يجعل من شخصيته عملاً فنياً أو على تعبيره أن : ” يجعل من دالي رائعة دالي ” ، في الخامسة عشرة ينتسب الى مدرسة الفنون في مدريد ، في العاصمة الإسبانية هناك سيلتقي باثنين من مواطنيه الاول الشاعر فيديريكو لوركا ، والثاني المخرج السينمائي لوي بونويل ، وقد تنبأ له لوركا بانه معد لمهنة أدبية ، وإن عالم الرواية ينتظره ، ومع بونويل سيرتبط بتجربة غريبة في تاريخ السينما في فيلم قصير بعنوان “كلب أندلسي”، تُثــــار ضجة فنية واسعة لغرابته ، لأنه لم يكن يحـــــوي كلبـــاً ولا تدور أحداثه في الاندلس.في باريس التي سيرحل إليها عام 1927 ، كان السيرياليون بانتظاره ، لكنه سيتوجه فوراً الى لقاء بيكاسو ، عندما يلتقيه يدور بينهم الحوار التالي دالي : لقد جئت لأزورك قبل أن أذهب الى متحف اللوفر بيكاسو : حسنا فعلت يعرض على بيكاسو بعضاً من أعماله ، مثلما سيشاهد في مرسم بيكاسو بدايات التكعيبية ، وفي باريس ايضا سيلتقي باسباني اخر اسمه خوان ميرو الذي شكل الضلع الثالث في المغامرة الإسبانية التشكيلية التي هزّت العالم والضلعان الآخران : بيكاسو ودالي .. فقد شارك ميرو مواطناه في أهم تظاهرة ثقافية شهدها القرن العشرين واعني بها السيريالية وكانوا الثلاثة كما وصفهم أندريه بريتون :” أجمل الريش في قبعة السيريالية ” ، يوصيه خوان ميرو أن يواجه العالم بعناد :” المهم أن تكون عنيداً .. النجاح الحقيقي يكمن في عنادك مع الحياة ” ثم يطلب منه أن يشتري ملابس سهرة فهي وحدها التي تليق به ..كان خوان ميرو قد وصل باريس عام 1918 ، وامضى سنواته الاولى في بؤس وحرمان ، لكن راسه كانت مليئة بالاحلام كان النحات جياكوميتي يقول ان ميرو ليس بوسعه ان يضع نقطة دون ان يسقطها في مكانها ، فيما قال عنه بيكاسو ان ميرو يكفيه ان يترك ثلاث لطخات لونية على القماشة حتى تصبح لوحة . وسيصفه دالي بانه مأساوي وصموت ، وان كان في رسمه شيء من الظرف . كان مظهر خوان ميرو لا يعكس جرأته في الرسم ، كان قصيرا مثل بيكاسو .في تلك السنوات يتعرض سلفادور دالي إلى محنة مع والده ، الذي رفض زواج ابنه من غالا ، لكنه برغم حرمانه من المال الذي كان يحصل عليه من ابيه ، قرر ان يمضي في عناده ويتزوج ، وبنفس العناد سيقرر بعد عشر سنوات إعلان قطيعته مع السريالية ، حيث اختلف معهم بعد أن انحاز الى الجنرال فرانكو في الحرب الأهلية الاسبانية ، يترك باريس ليستقر في الولايات المتحدة الأميركية ، هناك نجح في ان يحتل عناوين الصحف والمجلات ، مثيرا اعجاب الملايين ، كان يرفض ان يتم عزل فن الرسم عن فنون اخرى فرعية ، ونواحي جمالية اخرى ، وسيشارك في بعض افلام هتشكوك وينشر العديد من الكتابات التي يشرح فيها نظريته حول تتابع الاحلام . في تلك الفترة يشن اندريه بريتون هجوما على دالي وسيطلق عليه اسم ” عابد الدولار ” ويعلن ان ” دالي هو التصنع ، وليس الحقيقة ” . يقال دائماً إن سلفادور دالي كان سريالياً قبل أن يلتقي اندريه بريتون ، وعندما كان طالباً في مدرسة الفنون لم يرسم الأشياء مثلما هي موجودة في الحقيقة ، وإنما يرسمها مثلما يتخيلها .. في ذلك الوقت كان متاثراً بنظريات فرويد عن الخيال والأحلام واللامعقول :” الرسم عندي تصوير فوتوغرافي أرسمه باليد للأشياء غير المعقولة المحسوسة ، ولعالم الخيال على العموم ” . يكتب آراغون إن سلفادور دالي برغم خلافه مع السيرياليين ، إلا أن الشيء الأكيد إنه الابن المدلل للسيريالية ، وهو الذي ساعد في شهرتها وكسب لها جمهوراً كبيراً .. وإذا كانت السيريالية نبهت الى أن الخيال هو منطلق الفنون والآداب ، وفتحت أبواباً أمام اللاوعي .. فإن دالي تميز بذلك النوع من الجنون الذي اسماه هو ” البارانويا ” ، أو جنون العظمة الذي يقوم عند الإنسان المصاب به بتأويل هذياني للعالم ولنفسه ” الأنا ” التي يعطيها أهمية مفرطة ، وهي حالة تقود صاحبها الى جنون العظمة وقد أعلن في واحدة من بياناته عام 1930 عن : ” اقتراب اللحظة التي يصبح ممكناً فيها تنسيق الغموض والوصول إلى زوال نفوذ شامل لعالم الحقيقة ” ، ويضيف إن ” البارانويا تستخدم العالم الخارجي لاقناع الآخرين بصحة هاجسه ويحملهم على الاعتراف بميزة هذه الفكرة الواقعية المقلقة ، إن حقيقة العالم الخارجي تستخدم لتكون استشهاداً موضحاً وبرهاناً ، وهي في خدمة حقيقة عقلنا ” يقول دالي لكاتب سيرته حين يسأله : لماذا قبل أن يأخذ وساماً من الجنرال فرانكو ، ألا يسبب له ذلك إحراجاً ؟ ، فيجيب : ” على العكس إن الملتزمين هم الخدم وأنا أريد أن أبقى سيداً على الدوام ” . وحين يقول له : إنك بذلك تنسى هؤلاء المثقفين ، والذين قتلوا في سبيل أفكارهم ، تنسى صديقك لوركا ، فيكون جوابه : ” ياسيدي أنا بدأت خائناً لطبقتي التي هي البرجوازية فقد آمنت بأقصى اليمين ، فأنا من أنصار الملكية المطلقة ، وأنا كذلك فوضوي ، لذلك فأنا أقبل أي وسام من الاتحاد السوفيتي أو الصين ، أعطني إياه وسأقبله على الفور” ، وحين يقول له المحرر : إذن أنت راضٍ بدور الخائن ؟ ، يجيب وهو يضحك : ” نعم لأنني أعارض بيكاسو في كل شيء” .******حين عرض سلفادور دالي لوحته، الشهيرة “إلحاح الذاكرة” عام 1931، رفض أن يفسرها ، وكان يحيل السائلين الى معرفة تفاصيل حياته ، فهو يتذكر أن أمه اخذته وهو صغير الى طبيب ليفحص فمه حيث كان يعاني من إلتهابات ، وحين طلب منه الطبيب أن يفتح فمه ويريه لسانه ، لم يفهم المعنى جيداً ، كان يعتقد إن الطبيب يحدّثه عن ساعات سائلة ، امتزجت هذه العبارة بخياله ، حتى إنه قرر أن لا تخلو معظم لوحاته من الساعات ، لكن الباحثين رأوا أن اللوحة تنبئ بقدوم عصر الأسلحة الفتاكة ، التي ستنسف الكون والزمن وتحيلنا الى الأرض اليباب التي تنبأ بها الشاعر إليوت يوماً . بعد ذلك بسنوات ، وبعد أن تحققت نبوءة الأسلحة الفتاكة وألقت أميركا قنبلتها الذرية على هيروشيما، يعود دالي ليكمل الجزء الثاني من اللوحة وبعنوان “تفكك إلحاح الذاكرة” ، في ذلك الوقت كان مواطنه الآخر بيكاسو ، قد هزّه ما حدث في قرية جورنيكا الاسبانية ” 2000 شخص يبادون وقرية تدمر بأكملها وتسوى مع الأرض” ، يدخل مرسمه الباريسي ليرسم ، يعتكف عدة أشهر وهو يخطط ويرسم لتظهر بعد ذلك أكبر لوحة رسمها في حياته ، بالأسود والأبيض فقط ، تخرج المأساة أشلاء وأرجلا وأيدي مقطعة ، رأس حصان يحتضر في سواد الليل ، صرخات مكبوتة ، أصابع متشنجة ، إنها بقايا أحلام الناس بالأمن والسلام ، يرفض بيكاسو أن يوقع اللوحة أو أن يضع لها تاريخاً ، فالمأساة لا يمكن أن تختصر بساعات وأيام وبتوقيع رسام .لسنوات ظل سلفادور دالي يطمح للقاء عالم النفس سيغموند فرويد شخصياً ومن أجل هذا اللقاء سافر عدة مرات إلى فينا حيث كان يقيم فرويد ، لكنه لم يستطع مقابلته وسيكتب في كتابه الحياة السرية ” :- ترجمه الى العربية ميتم الضايع- أتذكر إنني كنت أقضي تلك الأمسيات في المشي بشكل عشوائي على طول شوارع عاصمة النمسا القديمة. اقضي الوقت مع قطع الشوكولاتة ، والتي كنت آكلها على عجل بين فترات قصيرة من الانتقال من قطعة مكان إلى آخر ، كان لها طعم مر قليلاً ، في المساء كنت اجري محادثات خيالية طويلة وشاملة مع فرويد ، لقد عاد معي إلى المنزل مرة واحدة وبقي طوال الليل متشبثًاً بستائر غرفتي في الفندق الذي كنت أقيم فيه ” .في السادسة عشرة من عمره قرأ سلفادور دالي كتاب فرويد الشهير ” تفسير الأحلام ” ، ويتذكر إنه في تلك الفترة كان يحفظ مقاطع كثيرة من الكتاب يرددها أمام زملائه في المدرسة .كان سيجموند فرويد قد أصدر كتابه ” تفسير الأحلام ” عام 1900 ، وكان قبلها قد أصدر كتيباً صغيراً أسماه “الحلم وتأويله” لم يثر الإهتمام، حتى إنه قال لزوجته : “يبدو إن البعض لايزال يعتقد إن الكتابة عن الأحلام أشبه بالكتابة عن الخرافات ” ، إلا أن كتاب الأحلام يستقبل عند صدوره استقبالاً سيئاً من معاصريه ، حتلى يصفه البعض بانه كتاب ينتصرالى الأفكار الخيالية للفنان على البحث العلمي .في مقدمة كتابه “الأحلام” يكتب فرويد :” إن هدفي الأول أن أثبت بصورة قاطعة إن تفسير أحلامنا على ضوء المنهج كفيل أن يدلنا على الصلة بين موضوع أحلامنا وما تضطرب به نفوسنا من الشواغل ، حتى إذا تم الوصول الى هذه الغاية بينت للقارئ كيف إن ما يتراءى لنا في الأحلام لابد أن يتلوى مبناه وتغمض معالمه من النشاط النفسي ذاته” .ونراه عام 1931 يسجل رأيه في كتابه “الأحلام” فيقول عنه :”انه حتى فيما أرى اليوم يحوي أثمن الكشوف التي شاء حسن الطالع أن تكون من نصيبي ، فمثل هذا الحدس لايأتي العمر مرتين ” .سيتم اللقاء الاول والوحيد بين فرويد ودالي في التاسع عشر من تموز عام 1938 ، في منزل فرويد في لندن ، حيث كان عالم النفس الشهير قد وصل لندن هارباً من بطش هتلر الذي احتل النمسا ، في ذلك الوقت كان سلفادور دالي يبلغ من العمر ثلاثة وأربعون عاما ، حصل على شهرة عالمية ، فيما بلغ فرويد الثانية والثمانين من عمره ويحظى باعتراف عالمي كواحد من أكبر العقول ، كان هناك كاتب نمساوي آخر شهير هو ” ستيفان زيفايغ ” الذي رتب اللقاء بين دالي وفرويد ، يكتب دالي في سيرته الذاتية إن فرويد كان مغرماً بالفن الانطباعي ، ولم تُتحْ له الفرصة أن يتعرف على الحركات الطليعية في الرسم ، إضافة الى أن فرويد كان ناقماً على السيرياليين بسبب ادعاءات أندريه بريتون من أن فرويد استمد تحليلاته عن تفسير الاحلام من بيانات السيرياليين ، كان بريتون قد التقى فرويد أيضاً ووصفه بأنه ” عجوز لا تبدو على ملامحه الأناقة ، ويسكن في مكتب عتيق ومتهالك ” ، عرض دالي بعض من لوحاته على فرويد وكان يأمل أن تحظى رسومه باعجاب المعلم كما كان يسميه ، إلا أن فرويد واجهه بالقول :” في اللوحات الكلاسيكية ، أبحث عن اللاوعي ، لكن في اللوحات الخاصة بك ، أبحث عن الوعي ” ، وقد اعتبر دالي عبارة فرويد هذه نوعاً من النقد القاسي ، بالإضافة إلى اللوحات ، أحضر سلفادور دالي معه له مقالًا كان قد نشره في إحدى المجلات عن ” البارانويا ” ، لكن فرويد ظل يحدق في وجهه ” دون إيلاء أدنى اهتمام لمقالي “، هكذا يصف سلفادور دالي المشهد. يكتب دالي :” في محاولة لإثارة اهتمامه ، أوضحت له إن المقال علمي ، وكررت العنوان ، مشيراً إليه بإصبعي ، لكنه واصل التحديق في وجهي بثبات يبدو أن كيانه كله يتقارب” ، وبعد لحظات سيقول له فرويد : ” يالك من نموذج مكتمل للإسباني المتعصب ” خلال اللقاء يقوم دالي برسم تخطيطات لفرويد ، لكنها لم تثر اهتمام عالم النفس الشهير ، في مذكراته سيخبرنا سلفادور دالي إن الإلهام الحقيقي للوحة فرويد جاءه بينما كان يتناول القواقع في مطعم في فرنسا ، في ذلك الوقت كانت أمامه صورة لفرويد منشورة في إحدى الصحف، صرخ بصوت عال :” لقد اكتشفت الشكل الحقيقي لفرويد ، إنه الحلزون ! دماغه في شكل حلزوني – يتم استخراجه بإبرة! ” . ، يرسل دالي اللوحة الى ستيفان زيفايغ ليوصلها إلى فرويد، لكن زيفايغ احتفظ بالصورة ، كان عالم النفس مريضاً وخاف عليه من أن تسبب له نوعاً من الآلام ، في المقابل سيخبر فرويد صديقه ستيفان زيفايغ إن الشاب الاسباني ذا العينين المتعصبتين غير من نظرته تجاه السيريالية ، كان سلفادور دالي يطمح بان يحصل على اشادة علنية من فرويد ، فهو سعى إلى توليد أعمال فنية من خلال السيطرة على الاضطرابات العقلية، حيث يفكر الرسام ويعمل كأنه تحت تأثير اضطراب نفسي، أو حالة هذيان، ولكنه يظل واعياً لما يحدث حوله.*****اهتم سلفادور دالي بقراءة الفلسفة ، وكانت كتب ثلاثة من الفلاسفة لاتفارقه ، كانط ، ونيتشه وشوبنهور ، إلا إنه اعجب كثير بافكار نيتشه ، ويتذكر إن قراءة هذه العبارة ” اصبحوا ما أنتم عليه” في كتاب ” هكذا تكلم زرادشت غيّرت مسار حياته .. “اصبحوا ما أنتم عليه” ، وهو تعبير صاغه نيتشه لأول مرّة وكان عمره 22 عاماً . ويكتب دالي في يومياته إن صناعة حياة خاصة فكرة راودته مثلما راودت عندما كان في الثالثة عشرة من عمره .كان نيتشه قد أدرك منذ سنواته الأولى أن الظاهرة الأساسية القادمة في ثقافة الغد ستكون حتماً هي حاجة الفرد الى تمييز نفسه من الجماعة ، ومن أكثر أوصاف نيتشه تأثيراً في النفس وصفه للإنسان ، والذي يرى نفسه شبيها بالله ، ففي هذا الوصف لايعود للإنسان قمة أخرى يسعى إليها . وثمة طابور طويل من الأدباء والفنانين والفلاسفة وجدوا في عالم نيتشه دغدغة لمشاعرهم وتحفيزاً لأفكارهم ، ويتراوح هؤلاء من شبلنجر الى هرمان هسه ، ومن ريلكه الى عزرا باوند ومن توماس مان الى إليوت وحتى سارتر وهيدغر وكامو ، ومن شاغال الى سلفادور دالي ، هؤلاء جميعاً وجدوا أنفسهم في كتابات نيتشه ، وفي أشعاره الفاتنة ، ولا يمكن لأحد اليوم أن يتجاوز نيتشه فنراه أختار لنفسه قناع صاحب الفكر الحر ، أو الداعية الى الأخلاق ، أو عالم النفس ، أو النبي ، أو المجنون ، غير أن فكره يبقى في ذلك جميعه متمردا وتجريبياً ونموذجياً ، متمرد لأنه يعتني بتشكيل حياة نيتشه نفسه ، وتجريبي لأنه يضع المعرفة والتراث الأخلاقي جميعه موضع الفحص والاختبار ، ثم أن تفكيره نموذجي في الإجابة على مشكلة العدمية التي نادى بها أستاذه شوبنهور .غالبا ما يعتبر نيتشه أحد الآباء الروحيين للحركات الثقافية الحديثة التي ظهرت في القرن العشرين وأشهرها السيريالية ، ، يصر نيتشه على أن ما نصادفه في الحياة مجرد تفاهة ، أطلق عليها تعبير تفاهة اللامعنى . إن أرادتنا وقدرتنا على اتخاذ القرارات هي التي تميز البشر عن باقي المخلوقات وإن انحطاط الإنسان العصري يظهر في كونه جباناً يفتقر الى فضيلة الشجاعة ، لكن الإنسان المتفوق هو ذلك الذي لايخشى أن يمارس رغبته في بلوغ المجد حتى أعلى المستويات .وبسبب الفلسفة ومعها علم النفس سوف نجد كيف أن الخيال يتفجر من خلال الفن ، وكيف يتمرد الفنان على القوالب التقليدية ، يكتب دالي :” كنت طوال حياتي أصر على إنني مختلف ، في طفولتي تمردت على رغبة والدي أن أصبح رساماً تقليدياً ، وفي الشباب تمردت على السيريالية التي أرادت تشيعني الى القبر ملفوفاً بعلمها ، وفي الشيخوخة تمردت على الموت .. شيء واحد لم استطع التمرد عليه ، اسمه غالا ” .في الشهور الأخيرة من حياته كانت بعض الصحف تتوقع كل يوم انها ستنفرد خبر رحيل اشهر فنان في العالم ، وعندما كان يسمع عن تلهف الصحافة على خبر موته يقول ساخرا :” لا اعرف كيف اموت .. فان احدا لم يعلمني ذلك ” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *