تصنيفات

17 يونيو، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

زهير كريم : مقبرة الأزهار

في مكان ما من هذا العالم، خصصت البلدية مكانا أحاطته بسور، ركّبت له بابا صغيرة يمكن من خلالها الدخول الى المساحة التي تغرس فيها طوال الوقت باقات الورد.. ومع مرور الوقت صار المكان يشبه المزار. حسنا، هذه القصة ليست متخيلة تماما، وما حدث أن امرأة في السبعين تسكن في شقة مقابل الموضع الذي خصصته البلدبة كمقبرة للأزهار، وكانت قد قدمت طلبا للمحافظ، منذ فترة طويلة، شرحت فيه الأسباب التي دعتها لتوجيه مثل هذا الطلب:السيد المحافظإسمي إيزابيل، عمري سبعين عاما، أسكن في شارع ( فاعل الخير) وشرفتي تطل على حديقة البلدية التي قرب محطة( المواطن) ولقد حدث أمر يبدو عاطفيا جدا، لكنه يستحق كما أرى الإهتمام كما هو الحال مع المشاريع الأخرى، والتي تولونها اهتمامكم، رغم أنها تبدو للبعض مضحكة. والقصة بدأت عندما وقف شاب في يده باقة أازهار لمدة ساعة تقريبا، راقبته عندما كنت اتناول قهوتي، لا أخفيكم ايها السيد المحافظ أني أردت وبدافع الفضول أن أرى مشهد اللقاء بصديقته التي كان على موعد معها على مايبدو، هكذا تخيلت الأمر، وربما كان مشهدا مثل هذا عاديا، لا يستحق كل هذا الشرح، لكنه بالنسية لي، وربما لآخرين يعني أكثر من كونه موعدا غراميا وحسب. فالشاب بعد ساعة تقريبا، حفر بيديه في التربة، غرس الباقة ومضى. ولشيء من الفضول حرصت على انتظار تكرار المشهد _ كنت في الشرفة بعد اسيوع من الحادثة، رأيت الشاب نفسه يأتي و في يده باقة أزهاره، انتظر ساعة وفعل الشيء ذاته، غرس الباقة ومضى. أنا الآن في السبعين، هذا يعني أن عشر سنوات مضت على المشهد الأول، حيث واصل الشاب تكراره خلال هذه السنوات كل اسيوع، يوم السبت عند الساعة العاشرة، ينتظر، ساعة، يغرس باقته ويمضي، لكن الأمر لم يعد يتعلق بالشاب فقط، جاء لتنفيذ المشهد ذاته، وبالطريقة ذاتها، شبان وشابات كثيرات خلال السنوات الماضية، ولابد أنكم لاحظتم ايها المحافظ، أو ربما أحد معاونيك، وجود باقات أزهار في حديقة البلدية كأنها شواهد قبور. بالنسية لي أجد بانها فكرة جيدة أن تخصص البلدية المساحة ذاتها، ان تحيطها بسور لتبدو وكأنها مقبرة حقا، وهو عمل فني من جانب آخر، قد يبدو فجائعيا لكنه حقيقي، حسنا،يحدث دائما وفي كل مكان، أن الناس لايجيئون الى الموعد، هؤلاء هم الذين يكتبون قصائد الفقد وليس نحن الذين نحضر دائما، الشاب الاول وكما اظن لم يكن ينتظر شيئا، ولا حتى المعجزة، إنه يريد أن يستمرفي سماع قصيدته التي تجيئه من موطن الغياب، ولابد أنه تمكن بعد اصرار من الحصول على فكرة طليعية تنطوي على معنى، وهو أن الفن هو الأمل، هل فكرتَ بهذا الشيء أيها السيد المحافظ، الأمل والشعر الذي يجعل شابا ولمدة عشر سنوات يزرع باقات الورد في مقبرة! كأنه يستمع لقصيدته الطويلة المليئة برائحة الغائبين، اولئك الذين لن يأتوا ابدا!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *