تصنيفات

17 سبتمبر، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

محمد سرور : رائحة الحب

رائحة الحب

منذ صغرها وتلك الرائحة تلاصقها، لا تعلم مصدرها, لكنها تلتصق بها أينما ذهبت, حتى صارت تلك الرائحة كالعلامة المميزة لها. تخبر بقدومها من على بُعد, رائحة هادئة وجميلة, لكنها تصيب كلَّ مَن يشمُّها بالحزن. كرهتها والدتها لتلك الرائحة, قالت لها مرارًا: – منذ مولدك, والحزن لا يفارق بيتنا. وعلى الرغم من خلو حياتهم من أحداث تحمل حزنًا حقيقيًّا أو مصائب تجلب لهم كسرة القلوب وقلق البال, فإن تلك الفكرة ظلت راسخة في ذهنها ولا تترك فرصة إلا وتلومها عليها، وتُذكِّرها بقصة ليلة مولدها, التي لم يفرح فيها أحد, فتقول: – كانت ليلة ممطرة وهادئة, الشوارع تكاد تكون خالية, وكنا مساءً, وكان الكل ينتظر في البيت عودتنا من المستشفى, يزينون البيت بالبالونات والفرح يعلو ملامحهم, حتى عدنا بكِ, وانتشرت رائحتُك قويةً في المكان, حتى تبدَّلت ملامح الكل, وتبدلت الابتسامات إلى ملامح متيبسة, وحاول الكل، بالطبع، أن يخفي ذلك الحزن المفاجئ, فرسموا ابتسامات مصطنعة, خرجت باهتة وصفراء, وصحبوها بكلمات مباركة, لم يشعر منها أي حد بأي بركة.. ومنذ تلك الليلة, والحزن يعشش في البيت كالعنكبوت, والبسمة لا تعلو أي وجه. كانت تذكِّرها بتلك القصة في كل مناسبة, فتنفجر المسكينة باكية, وتهرع إلى غرفتها وحيدة تشكو إلى الجدران. أول من نبَّه أمها إلى هذا الموضوع كانت جارتها, امرأة سمينة تسكن في البيت المقابل، التي كلما جلست معهم, بعد مولدها, شعرت بضيقٍ في صدرها وكأن روحها تخرج, فتجري سريعًا إلى بيتها.. مرة بعد مرة, قالت: – انتبهي! رائحة ابنتك جميلة, ولكنها تجلب الحزن! لم تصدق الأم في البداية: ما معنى «تجلب الحزن»؟ لكنها تذكرت قصة مولدها, وبدأت تنتبه. فكانت تخرج بها وتزور أقاربها، وكلما دخلت بيتًا لاحظت على أهله الحزن, فتسألهم: – ما لكم؟ فيردون: – لا نعلم, ولكن كلما أتيتِ بابنتك, انتابنا حزن مفاجئ, وكأن البنت معجونة بماء الحزن. ولتتأكد أمها أكثر, ذهبت بها إلى فرح أحد أقاربها. كان الكل سعيدًا, يضحكون ويرقصون, والراقصة على خشبة المسرح تتلوَّى سعيدة، حتى دخلت الأم وابنتها وانتشرت الرائحة في القاعة المغلقة, وذابت العطور الأخرى أمام قوة رائحتها، وتبدَّلت ملامح الكل, فكانوا يصفقون بوجه عابس, والراقصة تتلوَّى بحزن, والعروسان يجلسان وكأن هذه هي ليلتهما الأخيرة في الحياة. وهنا تأكدت الأم وقالت إن ابنتها زارها ملك الموت من قبلُ ومسح جسدها بعطر الموت.. ثم كانت تحكي قصة موتها الأول، في المستشفى, عندما خرج الطبيب يخبرهم أن البنت ماتت, نزلت مخنوقة ومسحوبًا منها الدم، قبل أن يسمع صريخ طفل من الغرفة, فعاد مسرعًا ليجد أن البنت قد عادت إلى الحياة. وعلى العكس, كان والدها يحبها جدًّا, ودائمًا ما ينهر زوجته بسبب هذا الكلام, وكان يقول لها: – أنتِ جميلة, ورائحتك أيضًا جميلة, لا تستمعي إلى أحد، أنا أحبك كما أنتِ, أنتِ أميرتي الصغيرة. فتبتسم الصغيرة وتجري لترتمي في حضنه, تحتمي به وتستمد السكينة من دفئه، لكنه مع ذلك, ظل الوحيد الذي يراها بهذه الصورة؛ فكلُّ من حولها كان يرى أن تلك الفتاة لا تجلب سوى الحزن, وأن رؤيتها – على الرغم من جمالها الأخَّاذ – لا تثير إلا مشاعر سلبية. على مدار سنوات عمرها, سبَّبت لها تلك الرائحة مشكلات عدَّة؛ ففي صغرها, في المدرسة, طلبوا من والدتها ألَّا ترسلها مرة أخرى, وهم سيعطونها درجات النجاح كل عام؛ وذلك لأنها مع كل يوم تحضر فيه تنتشر رائحتها في المكان ويصيب الحزن الجميع, حتى إن المدرسين لا يستطيعون أن يكملوا شرح الدروس بعدما يصيب قلبهم حزنٌ مفاجئ. حاولت أمُّها كثيرًا التغلُّب على تلك الرائحة, فكانت تعرِّيها بالكامل وتدهن جسدها بماء الورد, ثم ترش عليها منقوع النعناع, ثم تدهنها بالزيوت المعطرة, ثم ترش عليها العطور.. وعلى الرغم من ذلك كله, كانت الرائحة تختفي قليلًا منها, لكنها سرعان ما تعود وتطفو فوق أي رائحة أخرى.. نصحتها إحدى جاراتها بنوع بخور معين, تجلبه من شيخ يسكن في بيت قديم على أطراف المدينة, ولم تكذِّب الأمُّ الخبر؛ ارتدت عباءتها السوداء وأسرعت نحو العنوان المقصود, كانت رغبةُ التخلُّص من تلك الرائحة تدفعها من دون وعي نحو أي دواء قد يصفه البعض، فجلست أمام الشيخ تحكي قصة رائحة ابنتها, والحزن الذي يعشِّش في البيت منذ مولدها, فصرفها الشيخ دون علاج, مردِّدًا: – الحزن مكانه القلب, ورائحته لن تزول بالعطور. وعندما ألحَّت في سؤالها: – ما الحل يا شيخ؟ أجاب: – القلب يا امرأة.. القلب! لم تفهم والدتها مقصود الشيخ, وظنَّت أنها وقعت مع رجل مخبول، ورجعت بحسرة وألم, زادا من الحزن الذي تسببه الرائحة, لكنها لم تستسلم بسهولة؛ حيث حاولت مرة أخرى مع الأطباء, الذين لم يجدوا تفسيرًا مقبولًا لتلك الرائحة, بعد أن أجروا الفحوصات والتحاليل, وأرجعوا السبب إلى أن لكل إنسان رائحة تميِّزه, تزداد وتخفت بين شخص وآخر, ولكن مع تلك الفتاة, الرائحة فقط أقوى، طبيعة جسدها منحتها هذا، ونصحوها أن تكفَّ عن المحاولة؛ لأنها طبيعة جسد, ولا أحد يمكنه أن يغيِّر في الأمر شيئًا. لا يمكننا القول إن الفتاة شعرت بالسعادة يومًا ما؛ لأنها حتى في أسعد لحظاتها كانت الرائحة تفعل مفعولها وتثير الحزن في الأجواء؛ فمثلًا يوم تخرُّجها في الجامعة, فور سماعها الخبر, غمرتها سعادة مفاجئة سرت فيها كالرعشة, قبل أن تنسحب منها ببطء ويحل محلَّها حزنٌ مفاجئ, حتى عندما رجعت إلى البيت وأبلغتهم الخبر, وهي تحاول جاهدةً رسم ملامح الفرحة, استقبل الكلُّ الخبر ببهجةٍ لم تلبث أن انسحبت منهم مع أول خيط للرائحة تسلَّل إليهم. والكل ردد: «مبروك».. خرجت باهتة لا لون لها, لكن لها رائحة تشبه الحزن. مرة أخرى, سرى فيها ذلك الشعور لفترة بسيطة, وهي صغيرة, كان يسكن بالقرب من بيتهم فتى يشاهدها كل يوم, بعث لها بخطاب سرِّيٍّ في يوم مع صديقتها, يخبرها فيه أنها جميلة وأنه يحبها، لكنه رحل بعيدًا مع أهله, وماتت تلك القصة قبل أن تولد. بعد تخرُّجها, بحثت لها أمها عن عريس، هي لم تكُن تريد أن تفرح بها بقدر ما كانت تريد أن تتخلَّص منها وأن تتخلص من ذلك الحزن الرابض على قلبها, ومن تلك الرائحة التي لا تغادر البيت. فكرت في أن ذلك حلٌّ مناسب, أن تتزوج وترحل بعيدًا, ويعود الفرح يملأ البيت، وتعود البسمة ترسم الوجوه.. فكَّرت في أنها لن تستغرق وقتًا طويلًا لذلك, معتمدةً في ذلك على جمال ابنتها, ولكن بالتأكيد يجب أن يكون غريبًا, من خارج المدينة, لا يعرف بقصة رائحتها؛ فبالطبع لا أحد يريد أن يعيش حزينًا طول عمره. بدأت بإرسال صورتها مع الخاطبات, كل من رآها سلبته عقله وجاء مسرعًا، وبالفعل تقدَّم لها الكثير, ولكن لم يكمل أحدٌ القصة, دائمًا ما كان يفلت في منتصفها. أوَّلُ رجلٍ ارتبط بها كان هادئًا ومرحًا, يحب المزاح والضحك، استمر معها أربعة أشهر, عاد في النهاية بوجه عابس ليودعها, قائلًا إنها جميلة فعلًا, ورائحتها جميلة, لكنها تصيبه بالحزن, وإنه كلما حاول أن يتجاهل هذا الأمر سيطر عليه أكثر وإنه غاب المرح عنه وأصبح شخصًا لا يعرفه. أومأت برأسها متفهِّمة ورحلت من دون أن تتكلم. وفي الحقيقة, في ذلك اليوم لم تشعر بالحزن, أو ربما شعرت, لكن حزن قلبها أقوى, فبات بجانبه حزنًا ضئيلًا. وجاء رجلٌ ثانٍ, كان شخصًا جادًّا غير مرح, لكنه هادئ أيضًا, يحب الحديث في السياسة والاقتصاد وأحوال البلاد, أُعجب بثقافتها الواسعة ومدى اطلاعها على الكتب, شعر في أول يوم أنه وجد ضالته أخيرًا, ولكن عندما رجع لم يجد سببًا لذلك الحزن المفاجئ الذي دخل قلبه، لكنه تعرَّف إليه أكثر مع كلِّ مرةٍ يراها فيها, كان الحزن يتوغَّل أكثر فأكثر, فرحل بعد شهرين, من دون وداع. وهكذا, استمر رجل وراء آخر, يأتون ويرحلون, البعض يودِّع والبعض لا يفعل.. حتى يئست الفتاة ووالدتها, وتوقفت الفتاة بعدها عن مقابلة أي شخص، واستسلمت لقدرها ورائحتها، وأدركت والدتها بعدها أن هذا الحزن سيدوم طويلًا. حتى ذات يوم, جاء رجل غريب عن المدينة, كل من رآه قال إنه يحمل رائحة مثل رائحة الفتاة، جاء يبحث عن بيتها, قال: – أبحث عن بيتٍ لفتاة رائحتها تشبه رائحة الحزن. أشار الكل إلى طريق بيتها.. سار إليها متلهِّفًا, وقلبه على الرغم من حزنه يرقص، ولم يصدِّق أيٌّ منهما نفسه, عندما فتحت له ورأيا بعضهما البعض لأول مرة, شعر كل منهما بالحب, والقلب دق بعنف, والرائحة أصبحت أقوى, وشعرا وكأنهما يعرفان بعضهما البعض منذ زمن. قالت له, في أول يوم يجلسان معًا: – أنت تعلم قصة رائحتي وحزني, وأن الحزن لا يفارق قلبي, ولا أعتقد أنك ستكون سعيدًا معي. أخبرها عن رائحته أيضًا, وأنهما متشابهان, وأنه أيضًا يسبِّب الحزن للكل, وربما أنهما خُلقا لبعضهما بالرائحة نفسها, ليكونا شخصًا واحدًا وقلبًا واحدًا، وأخبرها عن معاناته هو أيضًا في صغره, وأنه بسبب تلك الرائحة لم يمتلك صديقًا واحدًا طول حياته, بل إن كل أمهات أصدقائه كُنَّ يحذرنهم منه.. حتى إنه، ذات يوم, ذهب إلى صديقه يلعب معه, وفور دخوله المنزل جاء هاتفٌ لوالدة صديقه يخبرها أن والدها تُوفِّي. وضعت السماعة وهي تنظر إليه في غضب, ثم سحبته من ياقة قميصه جرًّا حتى بيته, وصرخت في وجه والدته قائلة: – خذي ابنك الشؤم هذا, لا تدعيه يأتِ مرةً أخرى. قال لها: – هذا هو أكثرُ يومٍ بكيتُ فيه, ليس فقط لسوء الموقف, ولكن لأني شعرتُ بالإهانة, ومن يومها وأنا لا أصاحب أحدًا. ثم أخبرها أنه حتى عندما أُعجب ببعض الفتيات وتقدَّم لخطبتهن, كُنَّ يرحلن سريعًا, وكأن عقربًا لدغت قلوبهن, وقالت إحداهن صراحة: – السبب أنك كتلة من الحزن, لا أحد سيحب أن يسجن نفسه معك. ضحكا معًا ذلك اليوم, وكان كلَّما حكى لها حكاية عنه شهقت وابتسمت, ثم حكت له حكاية مثلها حدثت معها. كان الوقت يمضي بهما سريعًا وهما لا يشعران, لم يعرفا في تلك الليلة كم من الوقت لبثا يتحدثان, لكن يبدو أنه كان وقتًا طويلًا؛ لأن الشمس أشرقت عليهما مرات كثيرة وهما يتحدثان ويضحكان من دون توقُّف, حتى إن والدتها كلما دخلت عليهما وسألتهما: – هل انتهيتما؟ قالًا معًا, وفي وقت واحد: – ليس بعدُ. ثم يكتشفان أنهما ردَّدا الكلمة نفسها في اللحظة نفسها, فينخرطان معًا في ضحك طويل، وكانت الأم تفرح بذلك؛ حيث إنها ظنَّت أخيرًا أن ابنتها وجدت من تحب وسيرحلان معًا؛ لذلك, ففي كل مرة, كانت تدخل عليهما تضع لهما الطعام والشراب, من دون تذمُّر منها, بل كان يبدو أنها لأول مرة, منذ زمن بعيد, تبتسم. لم يشعر أيٌّ منهما بالنعاس أو الرغبة في النوم, بل كانت الرغبة الوحيدة، التي تولد مع كل خيط شمس يتسلل إلى وجهيهما في الشرفة, هي الرغبة في الحكي, قالا مئات الحكايات, وكانت كل حكاية تولد منها الأخرى, وكأن كلًّا منهما كان يخزِّن كل تلك الحواديت والحكايات للآخر, واندمجت حياتهما الصامتة القديمة معًا الآن, وأنجبت المئات من الحكايات, وكانت كلما انتهت هي من حكاية, بدأ هو في أخرى, حتى أحيانًا كانا يحكيان الحكاية نفسها معًا, وكأنهما عاشاها معًا من قبلُ بالتفاصيل والأحداث نفسها.. وفي لحظة, شعرا بأنهما شخص واحد، عاشا حياة واحدة, لها التفاصيل نفسها. في تلك الليلة, شعر كلٌّ منهما بشعور غريب, يتسلل ببطء إلى قلبيهما, وراهن كلٌّ منهما على كنه هذا الشعور الذي لم يشعر أيٌّ منهما به من قبلُ. قال هو: – إنه الحب. وقالت هي: – إنها السعادة. الحب.. السعادة.. تمسَّك كلٌّ منهما برأيه, قبل أن تسحب يده وهي مبتسمة, قائلة: – لِمَ لا يكون الشعوران معًا؟ الحب يمنحنا السعادة, أليس كذلك؟ وافقها الرأي وهو مبتسم أيضًا, وقال: – فعلًا, لا فرق بين الحب والسعادة. بعد تلك الليلة, اختفت الرائحة تدريجيًّا من كلٍّ منهما، لم يعُد لها وجود, ولم يعُد أحدٌ يشتكي, كما أنه, من وقتها, لم يشعر أيٌّ منهما بالحزن مرة أخرى, أبدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *