تصنيفات

18 يونيو، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

زكى نجيب محمود وكتاب ” أفكار ومواقف “

كتاب/ “أفكار ومواقف”

المؤلف / زكى نجيب محمود

يقول زكى نجيب محمود فى مقالة بعنوان “دفاع عن العقل”:

كانت الخمسينيات فى حياتى الثقافية، معركةً متصلةً حاميةَ اللهب، أُدافِع فيها عن ضرورة التزام الإنسان فى حياته العلمية بمنطق العقل، فى صرامةٍ لا تجد فيها العاطفة ثغرةً لها، تتسلل منها، فتُضعِفُ ذلك المنطق العقلى بميولها وأهوائها، ولم يكن ذلك تهوينًا من شأن العواطف الإنسانية، وأهميتها البالغة فى حياة الإنسان، لكن لكل شيء مجاله، فإذا كُنَّا لا نُطالب الفنان أو الأديب، بالتزام المنطق العلمى، فى إبداعه الأدبى أو الفني، فكذلك لا ينبغى لنا، أن نطالب الباحث العلمى بأن يُقحِم شيئًا من وِجدانه فى مجاله العقلى.وكانت عقيدتى هى أن عصرنا هذا — وكنا عندئذٍ فى أول الخمسينيات — يسوده استهتارٌ عجيب فى كل شيء، وكان الذى يهمُّنى يومئذٍ، ناحيةً خطيرةً من نواحى حياتنا، هى ناحية التفكير والتعبير، فلقد اعتادت الألسنة والأقلام، أن تُرسل القول إرسالًا غير مسئول، دون أن يطوف ببال المُتكلِّم أو الكاتب، أدنى الشعور، بأنه مطالَب أمام نفسه، وأمام الناس، بأن يجعل لقوله سَندًا، من الواقع، الذى تراه الأبصار وتَمسُّه الأيدي، فكتبتُ حينئذٍ أقول: إنه لو كان هذا الارتجال الحر الطليق، من قيود الواقع وشكائمه، مقصورًا على جوانبَ هينةٍ يسيرة من حياتنا، لَمَا كان الأمر بحاجة إلى جَهدٍ يُبذل، لكنه ارتجالٌ اتسعت رقعته، حتى شمل حياتنا العملية والعلمية كلها أو كاد.

فكان أن وجَّهتُ أغلب جَهدى نحو الاتجاه التجريبى العلمى من اتجاهات الفلسفة المعاصرة، وهل كان يمكن للعلم أن يبلُغ ما قد بلَغه من السيطرة على عقول الناس، وعلى حياتهم العملية فى عصرنا هذا، دون أن يكون لذلك صداه فى الفلسفة وأهدافها؟ إن تاريخ الفكر فى كل مراحله، لم يشهد عصرًا رَفضَت فيه الفلسفة أن تُتابع الحركة الفكرية السائدة فى عصرها، ولستُ أدرى من ذا الذى كذب الأُكذوبة الكبرى عن الفلسفة، فقال عنها إنها تعزل نفسها فى أبراجٍ من العاج، فلا تصطخب مع تيار الحركة الفكرية فى شتى ميادينها؟ متى كان ذلك، وعند مَن مِن الفلاسفة؟ هل كان سقراط وهو يجول فى طرقات أثينا، يناقش الناسَ فى أمور حياتهم الخُلقية، معتزلًا فى برج من العاج؟ هل ترك فلاسفة العصر الوسيط، فى الشرق الإسلامى أو فى الغرب المسيحي، سائرَ الناس فى وادٍ، وذهبوا هم فى وادٍ آخر؟ ألم يجولوا مع الناس فى الميدان الأساسى الهام الذى كان يشغلهم، وهو ميدان العقيدة الدينية وتحليلها وتأويلها وتأييدها؟ هل ترك كانط علماء عصره يبحثون فى الرياضة وفى الطبيعة، وحَبَسَ نفسه دونهم فى بُرجٍ عاجي، يتكلم فيما لم يكونوا مُشتغلِين به؟ أو أنه كان يُحلِّل قوانين الرياضة وقوانين الطبيعة التى كان يأخذ بها علماء عصره؟ وكذلك أردنا للفلسفة أن يكون لها دورها فى عصرنا، أردنا لها أن تجلس مع سائر رجال العلم على مائدةٍ واحدة، وأن تسكن معهم فى بيتٍ واحد؛ فلئن كان علماء عصرنا فى شغلٍ شاغل من الطبيعة الذرية، التى غيَّرَت من وجهة النظر إلى قوانين الطبيعة، فجعلَتها احتمالًا لا يقينًا، وجعلَتها إحصاءً لما يقع بالفعل، لا إملاءً لما ينبغى أن يقع، فلا بُدَّ للفلسفة كذلك أن تشغل نفسها بهذا الاحتمال فى صدق القوانين العلمية، ما معناه؟ وبهذا الإحصاء الذى تُبنى عليه المعرفة العلمية، ما سنده من منطق العقل؟ 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *