تصنيفات

18 يونيو، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

على حسين:دوستويفسكي فيلسوف ام روائي ؟

1 min read

دوستويفسكي فيلسوف ام روائي ؟

علي حسين

” ان الروائيين العظماء فلاسفة عظماء ” البير كامو بعد انقطاع عن اماسي مقهى ” ابو زهراء ” بسبب فايروس كورونا اللعين ، جمعتني امس الاول جلسة ممتعة ” بالكمامات ” ، مع الاصدقاء الدكتور اياد العنبر والدكتور حسين مايع والصديق علي الطوكي والاخ محمود القدسي ..وكالعادة كان الحوار يتنقل بين الفلسفة والادب ، ترافقه قفشات ابو زهراء . كان محور الحديث يدور حول دستويفسكي هل هو روائي ام فيلسوف ام عالم نفس ؟ ” .في الكثير من الدراسات الحديثة عن الرواية ، يذهب النقاد إلى الفكرة القائلة أن الروائي قد اتجه الى تعريف نفسه بموقف يتخذه من الوجود الانساني . يكتب اندريه مالرو في كتابه الانسان العابر والادب – ترجمه الى العربية محمد سيف – :” في رأيي ، ان الرواية الحديثة وسيلة محفوظة للتعبير عن العنصر الماساوي في الانسان ” ..لعل الرواية الفرنسية كانت الاسبق في الاستعانة بالفلسفة ، حيث تبدأ الروايات الفلسفية مع فولتير ، رغم ان البعض يؤكد ان الرواية كائن بريطاني في الاصل ، ويقول آخرون انها مخلوق ايطالي منذ ان كتب بوكاشيو ” الديكامرون ” .. يقول الشاعر الفرنسي سان جون برس:” عندما يهجر الفلاسفة العتبة الميتافيزيقية ، يتعين على الشاعر ان يتعهد دور الميتافيزيقي ” ، ولهذا يؤكد برس ان ” الشعر وليس الفلسفة الابنة الحقيقية للدهشة “، وتضرب آيريس مردوخ مثلا بنجاح الروايات والمسرحيات في اظهار تفرد الانسان ، والتعقيدات التي تتداخل في وضعه تكتب في كتابها ( سارتر المفكر العقلي الرومانسي ) – ترجمه الى العربية شاكر النابلسي :” تبرز اهمية الادب في تناوله لمهمات كانت الفلسفة تقوم بها سابقا ، فعبر الادب يمكننا اكتشاف احساس بكثافة حياتنا ” ، لكنها تسجل فيما بعد رأيا مغايرا عندما يسألها الفيلسوف البريطاني بريان ماغي : من ان ثمّة روايات عظيمة تمثل الأفكار الفلسفية جسماً أصيلاً في هيكلها الروائي ؟ تجيب : ” الحقّ أنني أشعر برعب قاتل يتملكني متى مافكرتُ بإقحام الأفكار الفلسفية في رواياتي . قد يحصل أحياناً أن أشير محض إشارة فحسب إلى الفلسفة في بعض مواضع رواياتي بسبب المصادفة التي جعلتني على شيء من دراية بالموضوعات الفلسفية التي تتناغم مع سياق تلك المواضع في رواياتي ، ، ودعني أصدقك القول إنني أفضّل – كروائية – أن تكون لي معرفة بالسفن الشراعية أفضل وأعلى مقاماً من معرفتي بالفلسفة ” – نزهة فلسفية في غابة الادب ترجمة لطفية الدايمي – .كلنا يعرف ان الوجودية الفرنسية جعلت الفلسفة والرواية يتمشيان بداً بيد ، فالبير كامو يكتب رواياته من اجل ان يبرهن على عبثية الحياة ، ودخل المسرح على خط الفلسفة فكانت اعمال مارسيل غابريل وجان جينيه تبرهن على موضوعات تؤرق الناس ، وقد شكل كتاب جان بول سارتر عن جان جينيه اطارا بث سارتر من خلاله فلسفته لما بعد ” الوجود والعدم ” ، وروايات سارتر ايضا كانت ادوات لاخراج الصراعات الاخلاقية بلا قيود ” ما الرواية إلا فلسفة تمت صياغتها في صور خيالية، وفي الرواية الجيدة تختفي الفلسفة في ثنايا الصور الخيالية ” ، هكذا يكتب البير كامو ، والذي حقق شعبية من خلال ربطه بين الفلسفة والادب ، وقد وجد القراء في معظم انحاء العالم ان ” ميرسو ” بطل رواية كامو ” الغريب ” بموقفه اللامبالي ازاء الحياة ، انما يخاطب بقوة الجيل الجديد الذي يعتبر متمردا بلا قضية .يكتب هارولد بلوم ان ” الشاعر او الروائي عندما يبدي اهتماما بالمفاهيم الفلسفية ، فان انهماكه في العمل الذي يقوم به سيقوده بالضرورة الى استثمار هذه الافكار لاغراضه ” كان اندريه جيد يقول ” لابأس بالافكار طالما ظلت في خدمة الجمال ” .. لعل حيميس جويس ومارسيل بروست وتوماس مان وهرمان هسه هم المثل الذي يضرب به أي قارئ عندما يتذكر الروائيين الفلاسفة ، لكن د.ج. لورنس سينبهنا الى ان دوستويفسكي يستحق المرتبة الأهم ، ففي رواياته ليست ثنائية الخير والشر التي تعلق بها نيتشه مجرد واجهة نظرية ، وانما هي تدخل مادة اساسية في قصصه وشخصياته . عاش دوستويفسكي في اعوام المنفى والاشغال الشاقة خيبة امل حادة من المثل العليا للاشتراكية ، وخلافا لكل معاصريه كان يعتقد بان الشر في مجتمعه سيقوى ويزداد عمقا اكثر مما يتصور اصحاب العقول الثورية في عصره .. ولهذا سنجد ان البطل المفكر الذي يعمل عقله دون توقف على تفسير تناقضات ومغزى الحياة ، يحتل مكان الصدارة في روايات دوستويفسكي وخصوصا التي كتبها بعد انتهائه من حكم الاشغال الشاقة .فقد اصبح بطله ” انسان الافكار ” الانسان الطامح الى بحث الفكرة بكل تشعباتها المحتملة ، وايصالها الى الاستنتاجات الاخيرة ، ليس “راسكولنيكوف” او ” ستافروغين ” او ” ايفان كارامازوف ” وحدهم رجال الفكر في روايات دوستويفسكي ، بل أن الشخصيات الثانوية في رواياته هم ايضا رجال فكر .. ان كل بطل من ابطال دوستويفسكي ، فيلسوف ، ومفكر ، وشخصية معقدة ، يقرر بطريقته الخاصة ، القضايا الرئيسية للوجود الانساني ، وكما هو الحال مع شكسبير الذي كان دوستويفسكي مغرما به ، فان الشخصيات تعكس في وعيها تصادمات العصر ونزاعاته .يقول دوستويفسكي :” ان التصوير الواقعي اللامبالي بالواقع لا يساوي شيئا ، والاهم من ذلك لا يعني شيئا ” .- يوميات كاتب ترجمة عدنان جاموس – في رسائل دوستويفسكي – ترجمها الى العربية خيري الضامن – نجد الملاحظة التالية حول شكسبير:” ان هذا ليس تصويرا بسيطا لأمر حيوي هام ، بقدر ما هو تصوير شامل للواقع كله ” .يحدد النقد الادبي بان رواية ” مذلون ومهانون ” هي التي كونت المباديء الرئيسية لفلسفة دوستويفسكي ، فهي اول عمل من اعماله متعدد الجوانب ، وكما بقول الناقد الروسي الشهير بوريس بوروسوف في كتابه ” شخصية دوستويفسكي ” – ترجمه الى العربية نزار عيون السود – :” ان الموضوع الرئيسي في ( مذلون مهانون ) هو صورة النزاع الاخلاقي في المجتمع ، وهذا النزاع لا يقوم على تصادم المصالح الاجتماعية فحسب بل على تعارض المبادئ الاخلاقية والفلسفية ” . كان دوستويفسكي معجبا بفكتور هيجو وفكرته عن تجديد الانسان في الانسان نفسه وبعثه ، فقد اظهر دوستويفسكي بعمق ، تراجيديا حياة الطبقات الاجتماعية الدنيا ، اي البسطاء والمنبوذين . تكتب الناقدة الروسية ” آ. لاتينيا ” ” لقد قام دوستويفسكي باكتشافات عظيمة في الانسان ، وبه يبتدئ عصر جديد في التاريخ الداخلي للانسان ، ولم يعد الانسان بعده كما كان قبله ، ان نيتشه وكيركغارد وحدهما يمكنهما ان يشاركا دوستويفسكي في مجده في ريادة العصر الجديد ” – من كتاب دوستويفسكي ترجمة نزار عيون السود –يحدد الفيلسوف الروسي برديائيف ان فلسفة دوستويفسكي هي فلسفة الرفض الصارخ للعالم ، وعدم الثقة بمستقبله ، انها فلسفة المأساة وفلسفة القسوة .تطور موضوع الفلسفة الوجودية بصورة واسعة في الاعمال الروائية والمسرحية لسارتر وكامو وسيمون دي بوفوار ، إلا ان برديائيف في كتابه ” رؤية دوستويفسكي الى العالم ” – ترجمه الى العربية فؤاد كامل – يشير الى ان موضوع الحرية ، كمصير تراجيدي ، وكعبء ثقيل ، هذا الموضوع يرجع الى دوستويفسكي في فصل المفتش العام ” من رواية الاخوة كارامازوف .عندما يقال بان تصوير الفرد الذي امتحن طرق الحرية الانسانية قد قرب دوستويفسكي من الفلسفة الوجودية ، فلأن راسكولنيكوف وايفان كارامازوف وكل ابطال روايات دوستويفسكي ، يقومون بالتجربة والامتحان لحدود حريتهم .راسكولنيكوف يعتبر تمرده نقطة انطلاق رواية ” الجريمة والعقاب” . ولكن من هو السبب الذي دفعه الى التمرد ؟ .. ان افكار دوستويفسكي هي افكار نيتشه ، وان هناك تشابه بين نظرية راسكولنيكوف عن الانسان المتفوق ونظرية نيتشه . يقول راسكولنيكوف مفكرا :” ان الناس بحكم قوانين الطبيعة ينقسمون الى فئتين : فئة دنيا هي فئة العاديين الذين لا وجود لهم إلا من حيث انهم مواد ان صح التعبير ، وليس لهم من وظيفة إلا ان يتناسلوا ، وفئة عليا هي فئة الخارقين الذين أوتوا موهبة ان يقولوا في بيئتهم قولا جديدا ” ، وبعد اقل من عشرين عاما يقول نيتشه على لسان زرادشت في كتابه ” هكذا تكلم زرادشت :” انني آت اليكم بنبأ الانسان المتفوق .. فما الانسان العادي إلا كائن يجب ان نفوقه ” . لقد عبر دوستويفسكي عن هذه الآراء في الوقت الذي كان فيه نيتشه لا يزال طالبا .ان فكرة نيتشه عن الانسان الاعلى ، الذي يعتبر موت الإله شرطا لظهوره ، قد عبر عنها دوستويفسكي قبل نيتشه بفترة طويلة ، يقول كيريلوف في رواية الشياطين :” الحياة ألم ، الحياة خوف ، والإنسان تعيس بائس . أن من ينتصر على الألم والخوف سيكون إلاها “، انها الصرخة التي اطلقها زرادشت نيتشه بعد عقود ، ويذهب كيريلوف ابعد من ذلك عندما يقول :” إذا لم يكن ثمة إله ، فانا هو الإله .. واذا لم يكن ثمة إله ، فالارادة كلها لي ، وانا ملزم باضهار إرادتي ” يعلن سارتر في ” الوجود والعدم ” بأن هدف الانسان هو ان يصبح إلها ، اي في هذه الحالة ، هو تحقيق حريته وفقا لجوهره الداخلي وادراك غايب حدودها ومعوقاتها من الخارج .يقول اورست في مسرحية سارتر الذباب – ترجمها الى العربية محمد القصاص – : ما ان خلقتني حتى انقطعت عن الانتساب اليك .. لقد انقضت الحرية علي ، انها قد اخترقتني ونفذت الى داخلي ، وارتدت الطبيعة عني .. ان السماء فارغة ، ليس فيها خير ولا شر ، وليس فيها احد يمكنه ان يامرني او يسيرني ” .يكتب دوستويفسكي على لسان ايفان كارامازوف : ” ليس هناك شيء يقيني ، كل شيء مباح ” وهو المبدا الذي طبقه سمردياكوف عمليا ، وطبقة نيتشه فيما بعد نظريا . بدأ فيودور دوستويفيسكي كتابة “الإخوة كارامازوف” في حزيران من عام 1878 وانتهى من فصولها الأخيرة في تشرين الأول عام 1880، بعدها بثلاثة أشهر توفي عن عمر بلغ ستين عاماً، وفي رسائله الى الناقد ايفان اكساكوف في 21 ايلول – ترجمها خيري الضامن ضمن كتاب رسائل دوستويفسكي – يكتب :”أنا أعمل جاهداً ليل نهار، نعم آكاد انتهي من آل كارامازوف ، وانني اعيد في ذهني العمل الذي اقدره تقديرا عاليا ” .يذهب العديد من كتاب سيرة دوستويفيسكي الا أن صلة قوية تربط ببن مصدر الاخوة كارامازوف وماضي دوستويفسكي .ذلك انه اثناء فترة سجنه في سيبيريا يلتقي بسجين كان يقضي حكما بعشرين عاما بسبب قتل احد والديه ، وهو الذي امده بالفكرة الرئيسية لموضوع قتل الاب ، ونجد دوستويفسكي يخبرنا عن هذا السجين في روايته ” ذكريات من منزل الاموات ” :” ثمة قاتل لابيه لا استطيع ان انساه ابدا . كان من اسرة نبيلة المحتد ، عند ابوه ذو الستين سنة ابنا ضالا عاش حياة صاخبة وتردى في ديون ثقيلة .حاول والده ما وسعته قدرته ، ضبطه واقناعه بتغيير مسلك حياته ، غير ان اباه كان يملك ضيعة ، وعلى ذلك قتله ابنه ليرث هذا المال ، لم تكتشف الجريمة إلا بعد اشهر . وقد اخبر الشرطة بان اباه قد اختفى ” ، كان موضوع قتل الاب قد شغل دوستويفسكي وهو يخطط لكتابة رواية عن الالحاد ووجود الله ، في الثالث والعشرين من كانون الثاني عام 1868 يكتب الى الشاعر ابولون مايكوف :” في ذهني الآن قصة هائلة تحت عنوان الالحاد ، وقبل ان اجلس على الكرسي استعدادا للكتابة عليّ ان اقرا مكتبة كاملة من الكتب كتبها ملاحدة وكاثوليك وارثوذكس ، ولم ينتهي هذا الكتاب إلا بعد سنتين ” ، لكنه بعد اكثر من عام يغير رايه ويعلن في احدى رسائله لشقيقه :” ستكون قصتي هذه الاخيرة وستكون كبيرة مثل كتاب الحرب والسلم ، انا متاكد من استحسانك لفكرتها ان هذه القصة ستكون نهاية المطاف في حياتي ، انني لا اتوقع ان اعيش واكتب اكثر من ست او سبع سنين ” . . إن محور أحداث الإخوة كارامازوف هو حادثة مقتل الأب، وقد نسبها الكثير من النقاد الى حادثة جرت في حياة دوستويفيسكي نفسه فأبوه مات مقتولاً وثمة حادثة شخصية أخرى كانت سبباً في أن يتفرغ دوستويفيسكي لكتابة الإخوة كارامازوف هي وفاة ابنه سنة 1878 متأثراً بنوبة صرع وكان يبلغ من العمر ثلاث سنوات، فلجأ الأب – دوستويفسكي – الى أحد الأديرة وهناك تعرف على الأب أمبروسيوس، والذي نجده مجسداً في شخصية الأب زوسيما في الرواية.. وفي الرواية يقرر دوستويفسكي أن يطلق اسم ابنه المتوفي”أليكسي”، على أصغر الإخوة كارامازوف غير أن موضوع قتل الأب لم يكن هو الوحيد الذي أثار اهتمام دوستويفسكي، فقد كانت تلك الفترة تعيش صراع بين الليبراليين وبين الذين يطالبون بالحفاظ على الهوية القومية الروسية، وكان دوستويفسكي واحداً منهم، وفي هذا الصراع كان قتل الأب يرمز الى استبعاد المطلق.ولعل الإخوة كارامازوف تعد أكثر من رواية، إنها أشبه بوصية إنسانية يضعها دوستويفسكي للبشرية قبل أن يودع العالم، وفيها خلاصة لكل الأفكار التي كانت تدور آنذاك حول الانسان والدين والإيمان والله، والخير والشر، في تقديمه للرواية يكتب الناقد الروسي يوري سليزنيوف: “لقد أعطانا دوستويفسكي في الإخوة كارامازوف خلاصة أدبه وفنه. ففي هذه الرواية نجد التعارض الذي رأيناه في رواية المراهق بين الأب والابن، ونجد الصراع الذي رأيناه في الشياطين بين الإيمان والكفر، ونجد هيكل ما رأيناه في الأبله من شخوص ومن تنافس بين غريمين: وقد كان اسم إليوشا في مسودة الإخوة كارامازوف، الأبله… ونرى أن غروشنكا في الإخوة كارامازوف تذكر بآناستازيا في الأبله. أما ديمتري فيكاد يكون راسكولنيكوف الجريمة والعقاب، وسمردياكوف هو فومافومتش قرية ستيباتتشيكوفو. والمشكلة المطروحة في حلم المفتش الكبير في الإخوة كارامازوف هي نفسها المطروحة في قصة الجارة التي كتبها دوستويفسكي في مطلع شبابه”.يبدو للبعض إن الإخوة كارامازوف مجرد رواية عن الجريمة التي يقترفها ولد في حق أبيه، ويستغرق الأمر فصولاً طويلة قبل أن يصل التحقيق الى القاتل الحقيقي، بعدما كان هذا التحقيق قد وجه شكوكه في نواح أخرى في اتجاه الابناء الآخرين للرجل القتيل. إلا أن دوستويفيسكي بعد ان يكشف لنا القاتل الذي قام بالجريمة هو “سمردياكوف ” ينبهنا الى أن الجريمة تم تنفيذها من خلال اللغة التي كان يحرض فيها الأبن الآخر إيفان ضد أبيه،. فإذا كان سمردياكوف قد نفذ فعل القتل، فإن القاتل الحقيقي هو إيفان، المفكر ذو العقل البارد، الذي إذ يسيطر على الوعي الباطني لأخيه سمردياكوف، يدفعه بالتدريج الى ارتكاب الجريمة. فإيفان المتأثر بأفكار نيتشه والذي يتحدث عن أفكار التقدم والسمو الفردي، كان متخلصاً من عبء القيم. عرف كيف يسيطر بافكاره على سمردياكوف، جاعلاً منه مجرد أداة تنفذ له الجريمة التي يريد. فهل ترانا هنا أمام جريمة عادية؟ هل نحن في مواجهة إيفان أمام شخص عادي؟ أم إننا في الحقيقة أمام حكاية البشرية كلها منذ فجر التاريخ؟ أمام اسئلة الخير والشر الخالدة؟ أمام لعبة الشيطان وأمام ضعف الإنسان البسيط أمام هذه اللعبة؟. ان الاخوة كارامازوف هي صورة لروسيا كما رآها دوستويفسكي .. يكتب الى محرر مجلة موسكو حين كان ينشر الرواية متسلسلة قائلا :” اجمع بين الشخوص الاربعة في الرواية ، فستحصل على صورة مصغرة الف مرة من روسيتنا المثقفة المعاصرة ” ، وفي رسالة اخرى يكتب ان الغرض من كتابة الاخوة كارامازوف هو انزال الهزيمة بـ الفوضوية .في الفصل الذي اطلق عليه ” اسطورة المفتش الاعظم ” والذي يعده ” د .ه..لورنس ” اعظم ماكتب في الرواية على مر العصور يهاجم دوستويفسكي الاشتراكية التي تريد ان تطرد المسيح :” ان اشتراكيتنا اليوم تطرد المسيح جانبا وتعنى بالخبز قبل كل شيء ، وهي تلجأ الى العلم وتعتقد ان الفقر هو سبب الشقاء البشري باسره ” .يكتب سيجموند فرويد :” كان دوستويفسكي رجلا مريضا ، لان مصيره بصفته كاتبا ، قدر له ان يصور مرض العالم المحيط به ” وقد اصبح مرض الصرع الذي يعاني منه دوستويفسكي رمزا لعبقرية اثرت في الفكر الحديث .. في رسائل دوستويفسكي الاولى لا نجد اشارة الى اصابته بمرض الصرع ، لكنه يكتب الى شقيقه في شباط عام 1846 وكان في الخامسة والعشرين من عمره :” صحتي منحظة انحطاطا فضيعا ، واعصابي ممزقة متناثرة وانا اخشى من هذه الحمى العصبية ” ..ويؤكد نيقولاي برديائيف في كتابه ” رؤية دوستويفسكي للعالم ” ان اول هجمات الصرع حدثت سنة 1846 واستمرت حتى نهاية حياته ، فحساسية دوستويفسكي المرهفة ومزاجه القلق ، وشخصيته بوساوسها وحماسته المتطرفة وميله للبحث عن ملجا في عالم الاحلام يحميه من الواقع ، كل هذا ادى به الى ان يصاب بنوبات الصرع ، وسنجد ادق تفاصيل حالته في شخصية الامير موشكين المصاب بالصرع في رواية الأبله وكيف يحاول الانطلاق من الوجود الذاتي المحكوم عليه بالفناء الى مملكة اوسع يسميها مملكة المحبة .تاخر نيتشه في قراءة اعمال دوستويفسكي ولم يطلع عليها إلا عام 1885، لكنه ما ان انتهى منها حتى اعلن ان دوستويفسكي هو العالم النفسي الوحيد الذي استطاع ان يتعلم منه شيئا ما :” فمكانه بين احسن فلتات الحظ السعيد في حياتي ” يضع توماس مان تعاليم دوستويفسكي عن النفس البشرية في مرتبة اعلى من انجازات الرواية الاوربية يكتب :” ليس على المرء إلا ان يقارن بينه وبين مارسيل بروست ، ليدرك الاختلاف في اللهجة والنغمة الاخلاقية ، فالاكتشافات النفسية والبدع والوقاحات التي طلع بها بروست ما هي إلا متع تافهة بالقياس الى صنوف ما اوحى به دوستويفسكي ، الرجل الذي يقطن في الجحيم ” ..وسيدافع فرانتز كافكا بعناد عن دوستويفسكي ضد اعتراض ماكس برود الذي كان يرى ان الكاتب الروسي قدم الينا العديد من الشخصيات المريضة ، كتب كافكا في يومياته :” هذا خطا فظيع ، فهذه ليست شخصيات مريضة . فقتلته ومرضاه وعصاته وقديسوه ومقامره في ضمأ لافح للوجود ” .دستويفيسكي بدون دستويفسكية لايمكن ان يكون دوستويفسكي ، هكذا يكتب الفيلسوف الوجودي نيقولاي برديائيف الذي فتح في كتابه ” رؤية دستويفسكي الى العالم ” الباب امام الدراسات الوجودية حول مؤلف الاخوة كارامازوف ، يكتب برديائيف ان ” ديني القائل بنفي العالم نبع من نفور مرضي وكامل عن الحياة ” .يعد برديائيف الذي توفي في مقاطعة بالقرب من باريس في الثالث والعشرين من اذار عام 1948 من اهم الفلاسفة الانسانيين ، وقد اصر ان يجمع بين تولستوي ودوستويفسكي وشوبنهاور ونيتشه وكيركجارد .. يكتب دستويفسكي قبل وفاته بتسعة اعوام :” رغم كل الضياع ، احب الحياة بحدة ، احبها لذاتها ” .. في شبابه سيعثر برديائيف على كتابات ماركس آنذاك كان مهوسا باقامة مجتمع العدالة الاجتماعية ، وسينضم مثل دوستويفسكي الى جماعة ثورية اشتراكية ، الأمر الذي يدفع الحكومة القيصرية الى اعتقاله ، وبعد اطلاق سراح يسافر الى المانيا لدراسة الفلسفة الالمانية ، هناك سيحاول التوفيق بين نيتشه وماركس ، لكنه سرعان ما سيتعلق بالفيلسوف الالماني الكبير شيلينغ . بعد قيام الثورة البلشفية وجد نفسه يقف في الوسط فلا هو مع الثوار ، فهو ضد مصادرة حرية الآخرين ، ولا هو مع بقايا القياصرة الذين افسدوا في المجتمع وكانوا سببا في الثورة .. ولانه يبحث عن الحرية الفردية ، فقد تم اعتقاله ثم نفيه الى المانيا .. في تلك السنوات انجز كتابه ” نظرة دستوفيسكي إلى العالم ” لكنه سيمنع من النشر في روسيا ، ليتمكن من نشره في منفاه بالمانيا .. لم يطل به المقام طويلا في المانيا حيث يغادرها الى فرنسا بعد ان ظهرت مبادئ النازية التي كان يندد بها في الاخوة كارامازوف يصرخ دوستويفسكي :” لماذا لا يتعانق الناس جميعاً، لماذا لا يحضنون بعضهم بعضاً، لماذا لا ينشدون أغاني مرحة، لماذا اسودت أفئدتهم بالشقاء على هذا النحو ؟” وسيكتب برديائيف في مذكراته الحلم والواقع أن :” ما يعنيني ويسكن في هو قدر الذات ، العالم الاصغر الذي فيه يظهر ويخفق الكون كله ” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *