تصنيفات

18 سبتمبر، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

زهير كريم : ليلة الدخول إلى الطيارة من كتاب ” أغانى الرمل والمانجو “

فصل من كتاب( أغاني الرمل والمانجو)

ليلة الدخول إلى الطيارة

في غرفة التحقيقِ داخل مركز شرطة تمنرست، ظهرتْ المفارقةُ التي صنعتها الصدفة، والتي استخدمت_ على مايبدو _ كل شفراتها الغامضة لتسيير رحلتنا، فبدتْ قصتنا كما لو انها فقدت كل فضيلة كونها قصة عادية للبحث عن الخلاص، تحولت الى فخّ أو انقياد لفكرة المفارقة. في البداية أستدعوا الضابطَ على عجلٍ وكأنه البطل المكلف لمعالجة الحالة الخطرة التي طرأت، وكان عليه اكتشاف السر الذي جعل مرتادي أدغالٍ يدخلون الى محمية طبيعية. وكان يبدو من هيئته المضطربة أنه خرج من منزله مذعورا. دخل علينا وشَعرهُ المنكوش يشير الى إنه كان نائماً، ارتدى قميصاً أبيض مجعّدا لا يبدو نظيفاً، وفي قدميه نعل جلدي. وكنا نجلس على مصطبة طويلة، والضابط نظر الينا كأنه يقوم بمهمةِ مسبارٍ يحاول اكتشاف عوالم غامضة، امتزج في نظراته الغضب والترقب والحيرة، وكان واضحاً من حركة يديه العصبية، والافراط بتوزيع الأوامر على عناصر الشرطة إنه مستعجلٌ جداً، وإن لديه اسئلة كثيرة.جلس على الكرسي خلف مكتبه وبدأ التحقيق مباشرةً، كاتب الطابعة استعد، وشرطي واحد كان يقف على الباب. بعد عدةِ اسئلةٍ روتينية ظهر الرجل مسترخياً، ربما لأن مجريات التحقيق لم
تسفر عن شيء غير عادي، وإن الخطر الذي ظنّ، والذي رافقه طوال الوقت لم يعد موجوداً. ابتسم أو هكذا خُيّل لي عندما تحدثَ مع الشرطي، فجلب له فنجان قهوة، أثناء ذلك طرح الكثير منالاسئلة الإضافية. وكان من الممكن أن يسير التحقيق بشكل هادئ وممل، حيث تتغلق دائرة الاجابات على قضية هي عادية جداُ، تتعلق في كوننا مهاجرين غير شرعيين كما يحصل كل يوم تقريبا مع أمواج الافارقة القادمين من جنوب الصحراء، وأن الأمر كله لن يخرج عن الإطار الدستوريّ الواضحة تفاصيله للضابط. فيتم إيداعنا في التوقيف ليوم أو يومين، نقدَم لمحاكمةٍ روتينية سريعة لا تتعدى خمس

قائق، وبدون إهتمام سوف يأمر القاضي الذي كان قد
حفظ المادة القانونية، بإبعادنا خارج الحدود، من الجهة التي دخلنا منها، وهذا كل شيء.

: اين باسبورا تكم؟
وهنا ……في هذا المقطع تدخلت الصدفة لتصنع مفارقة عجيبة. وفي الحقيقة كان جوازي أنا بالذات هو السبب في تغيير سير الأحداث. الضابط قلّب بتركيز جواز ماجد وبعدها فحص جواز ابراهيم
: وأيضا جوازا ت منتهية!!
قال ذلك وكان قد وصل في هذه المرحلة لشعورٍ بالاسترخاء الكامل، فالجواز إذا كان صالحاُ للسفر او أن صلاحيته منتهية، هو أمر لن يضيف شيئا لمثل هذه القضية. وظهر لنا بأنه رغم ارتياحه لنتيجة التحقيق، لم يعرف على وجه الدقة لماذا تم استدعاؤه على وجه السرعة، فالقضية هي قضية هجرة غير شرعية حتى ولو كان المتهمون عرا قيين، وعلى الأرجح كان الرجل يفكر بأنهاء هذه المهمة السخيفة بسرعة ويعود الى منزله. تناول جوازي، قلّب الصفحات ثم نهض كما لو أنه أكتشف السر، وأن هذا الاستدعاء لم يكن مجانيا إطلاقا.ً كما تصور قبل قليل.

: السودان!!

لم أكن حينها قد فهمت بالضبط، هل كان هذا سؤالاُ، أم مزحةً، أم ماذا يعني أن يكون على جوازي ختم دخول الى السودان، لكني انتبهت في اللحظة ذاتها إن الأمر مقلقٌ فعلاُ، والضابط عبر عن خطورة السؤال بطريقة واضحة كان علي أن افهمها مباشرةً، حيث يمكن الربط بسهولةٍ بين الإرهاب في الج ا زئر مع وجود الحركات الجهادية في السودان، وإن قضيتنا اخذت مسارا آخرَ.

: هل كنت في السودان؟

وأغلق الجواز، جمع الجوا زات الأخرى، طلب أو راق التحقيق من كاتب الطابعة، خرج لدقيقةٍ ثم عاد، بدأ يتكلم بعصبية وحدث اضطرا ب في الغرفة، جاء ثلاث شرطة كأنهم فريق اسناد للشرطي الواقف في باب الغرفة مخافة حصول طارئ ما، اتصل بشخص وكان يتحدث بطريقة من يطلب النجدة. لكننا لم نفهم بالضبط ما هو مضمون المكالمة بسبب جهلنا بالفرنسية. ولم تمر سوى دقائق حتى جاءت سيارة، سمعنا صوتها وكان واضحاً إن السائق كان يقودها بسرعة كبيرة. والحقيقة إن ختم دخولٍ وخروجٍ من السودان كان مطبوعا على جوازي قبل أربع أعوام من تلك اللية. في تلك السنوات كانت السودان هي مركز حركات الجهاد الاسلامي ومعسكرا للحركات المتطرفة. وتظهر في هذه المشهدية والمعطيات رؤية تربط وجود أشخاص قادمين من السودان في ظل الظروف الامنية التي كان تمر بها الجزائر، الازمة التي تحولت فيها قوى الاسلام السياسي الى حركات متطرفة مقاتلة، وكانت ترُتكب في عموم البلاد أعمالاً إرهابية اختلط بعضها بمهمات مخابرتية، وجرائم اقتصادية جعلت البلد كله يعيش في اقسى سنواته، إنها سنوات الدم والنار والخوف. وضع المحقق جوازات سفرنا وأوراق التحقيق في ظرف كبير، أمر مساعداً له أن يختمه بالشمع، وعرفنا فيما بعد مضمون الملاحظة المكتوبة على الظرف، والتي كانت تتضمن أن لا يُفتح الا في العاصمة، والتي تبعد حوالي ثلاثة الاف كيلو متر تقريباً. وعند الساعة العاشرة مساء نقلتنا سيارة، كنا مقيدين عندما دحلنا الى السجن. وكان عبارة عن قبة معدنية كبيرة، عرفنا بمجرد دخولنا أنهم يسمونها الطيارة، وكان معظم النزلاء من أصحاب الجنايات. بتنا ليلة هناك كأننا أقمنا في حمام، الجو ساخن جدا، ولا يوجد سوى شباك صغير في أعلى القبة. في اليوم الثاني تم نقلنا الى قسم آخر، وعلى ما يبدو إن النزلاء فيه كانوا أقل خطورة، نظروا الينا بريبة مضاعفة رغم ذلك، كوننا جئنا من الطيارة بالإضافة طبعا كوننا غرباء، ع ا رقيين، ومن أقصى الشرق. وخلال أربعة أيام أدركنا إن الرحلة قد وصلت الى منعطف خطير، صحيح إن السجناء تعاطفوا معنا فيما بعد، والحرس كذلك، لكن أصل هذا التعاطف هو مزيج من محبة صدام حسين، والغرابة في وجود عراقيين بينهم، وأشياء أخرى تتعلق بالبطولة والحماسة والحرب وكراهية أمريكا واسرا ئيل. المشكلة أننا على الدوام كنّا مصدر ريبة وشك من قبل إدارة السجن، الضابط المسؤول لا يستطيع فتح ملفنا المختوم بالشمع، بالإضافة طبعا للملاحظة المكتوبة على الظرف.

في اليوم الثاني كان أحد الضباط الشبان يحاول التحدث معنا في ساحة صغيرة مخصصة للخروج أثناء تنظيف القاعات والتمتع بضوء الشمس. في البداية تعاملنا معه على أنه مجرد فضوليّ وحسب، أو أنه يريد اكتشاف كائنات من الشرق لم يفكر يوما أن يلتقيهم، كان حوارا طويلاً اكتشف من خلاله بأنه يتحدث مع أشخاص لهم اشتغالات في الثقافة والكتابة ويمتلكون معلومات كثيرة تتعلق بالمعارف بشكل عام. كان يبتسم ولم نعرف سر هذه الابتسامة، فتح فمه اخيرا وبتهذيب كبير اقرب للتوسُل.

: أنتم من سيساعدني في انجاز مشروعي.

كانت جملته غريبة، فعن أيّ مشروع يتحدث الرجل، و مع سجناء لا يعرفون مصيرهم اصلاً ولا هو يعرف مدة إقامتهم هنا! في النهاية، قال إن لديه مشروعاً، مجلة تهتم بشؤون السجون،
ومند مدة يحاول تقديم عددٍ تجريبي لتتم الموافقة عليه من قبل بلدية ومديرية شرطة تمنرست.

: توجد مكتبة هنا، ويمكنكم قضاء معظم الوقت خارج القاعة !

ولم يكن هذا العرض سيئا لسببين، الاول يتعلق بالتخلص من جوالقاعة الخانق، من را ئحة الفساء ومن المشادات التي تحدث لأتفه الأسباب، وكذلك الهروب من الاسئلة السخيفة التي كانت تتعلق بصدام والشيعة والسنة، الأم الثاني يتعلق بنوع الغذاء الذي سيقدمونه لنا في غرفة المكتبة فخلال الفترة الاخيرة، اكتسب الغذاء ضرورة عظيمة، خاصة وان اجسادنا بدأت تضعف كثيرا، الشيء المهم في هذا العرض هو الحمام المرفق بالمكتبة، بالإضافة طبعا الفرصة في أن تختار كتباُ للقراءة، مهما كان نوع الكتب، على الاقل لقتل الوقت فترة وجودنا التي لانعرف كم ستطول.

وعلى مدى ثلاثة أيام، كنا تخرج صباحا من القاعة ونعود مساء، خُصصت لنا مساحة نوم اضافية استثنائية، فقد كان باقي لسجناء يحصلون على اربعين سنتيمترا . وخلال ذلك كنا نقرأ، ندخن من سجائر الضابط،ا نقوم بتحرير المجلة. كتبنا أنا وماجد عشرين مقالا تقريبا اعتمادا على صحف وكتب موجودة في غرفة المتبة، أشياء تتعلق بالقوانين والسجون والرياضة والفن والثقافة والأدب وأشياء أخرى غريبة ومضحكة، ابراهيم رسم تخطيطات للمقالات، اقتطعنا صورا من جرائد قديمة ومجلات الصقناها كنوع من الإخرا ج البدائي، فظهرت المجلة كاملة لن تحتاج سوى للموافقة عليها قبل إرسالها للمطبعة.

في اليوم الرابع تم ترحيلنا فجرا، كنا نعتقد أنهم سيأخذوننا مباشرة الى العاصمة، حيث تضع القوى المسؤولة عن الأقدار او المفارقات جملة النهاية لهذه القصة، لكن الأمر لم يكن ذلك أبداً، فالوصول الى العاصمة سيستغرق وقتا طويلاً، كما حدث فيما بعد، وسوف يتم الوصول بطريقة التسفيرات، وبواسطة القافلة، فلا يمكن في ذلك الوقت انتقال الناس من مدينة لأخرى بدون حراسة، وكان علينا أن نمر بسجون البلاد كلها، من سجن الى الى سجن الى سجن الى سجن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *