تصنيفات

18 يونيو، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

على حسين : شارلي شابلن .. دون كيشوت الأزمنة الحديثة

في يوم 28 من شباط عام 1914 حصل شاب يبلغ من العمر 25 عاما على دور البطولة في فيلم قصير اسمه ” كسب العيش ” ، يمثل فيه شخصية نصاب ، وكان لا بد ان يجد له زيا معينا ، فقرر ارتداء سروال عريض ، واضاف له سترة ضيقة ، وقبعة خاصة تشبة قبعات سباق الخيل ، وحذاء تعمد أن يلبسه بشكل معاكس ، وعكازا يلوح به ، وشاربا مقصوصا من الجوانب يبدو كأنه ملصوق على الوجه ، وقد بدى لعمال الاستوديو شخصية غريبة لم يشاهدوها من قبل ، فقد كانوا ياملون بزي أكثر اناقة من ذلك المعطف وتلك القبعة التي ارتداهما ، كانت الكوميديا تتسم آنذاك بسرعة الايقاع وتعتمد على الحركات الخشنة ، بينما ابتكر هذا الشاب مشية شبيهة بمشية البطة ، وكان يدور عصاه بيده ، لكن هذه الشخصية لم تعجب مدير الاستوديو ، ووجد ان صاحبها لا يمكن ان يصبح ممثلا ناجحا ، وأن لا مستقبل له مع السينما ، ولن يستطيع لفت انظار الجمهور ، إلا ان نبؤة المدير لم تتحقق ، فما ان عرض الفيلم على الشاشة حتى راود الجمهور والنقاد شعور مختلف ،وخرجت الصحف في اليوم التالي تبشر بمولد نجم كوميدي ، كتبت احدى المجلات المتخصصة بالسينما ان :” الممثل الذي ادى دور المقامر ، المخادع ، كان غاية في البراعة ،وهو ممثل كوميدي من الطراز الاول ، ويتصرف كواحد من موهبي الطبيعة ” .لعل ما ميز شارلي شابلن عن باقي الكوميديين ، كان سذاجة الشخصية التي اداها والتي كادت أن تكون سذاجنها مثيرة للشفقة . شاعرا بانه كان مقبلا على شيء . وقد اثار شابلن مزيجا من الضحك والعاطفة اكثر من أي كوميدي آخر ، وتشعر بالشفقة تجاهه . فالمشاهد يضحك ويبكي في الوقت نفسه ، واحس المشاهدون أن الدور الذي يؤديه شابلن ينبع من مكان عميق في داخله ، وبانه كان يؤدي نفسه في واقع الأمر . يكتب الروائي سومرست موم ان شابلن من خلال افلامه يحن إلى ايام الفقر ، ويمتدح فضائله وهو الامر الذي ثار حفيظة شابلن الذي رد بالقول :” لم اجد الفقر مغريا ، ولا وجدته موجبا للعبرة ، وهو لم يعلمني غير تشويه القيم ، والمغالات في تقدير فضائل الطبقات الغنية ، والمزعوم انها راقية ، ونعمها ” .كانت شخصية الصعلوك الصغير تعود في جذورها الى سنوات عديدة قبل ذاك الفيلم ، فذات ليلة كان شارلي شابلن يعمل بوابا في احد مسارح لندن ، سمع صراخ مدير المسرح وهويشتم بطل العرض الذي غاب بسبب المرض ، كان المدير يحتاج الى بديل ، وكان يشاهد البواب يؤدي احيانا ادوار مضحكة للعاملين في المسرح ، فقرر ان يجعله بديلا للبطل ، يتذكر شابلن ان بطل المسرحية كان ضخم الجثة ، وكانت ملابسه اكبر بكثير من ان تكون مناسبة لشخص ضعيف البنية مثل شابلن ، لكنه قرر ان يخوض التجربة ، وعندما ارتدى السروال بدى مترهلا والحذاء كبيرا ، وقرر ان لا يرتدي قبعة البطل ، بل اختار قبعة صغيرة ، واراد ان يبدو اكبر سنا ، فاضاف شاربا صغيرا . يكتب في مذكراته :”ارتديت الملابس ببساطة فكانت النتيجة صعلوكا ، ثم خرجت الى الخشبة فانفجر الجميع في الضحك وهو يشاهدون الرجل الصغير يرتدي هذه الملابس الغريبة ” . وستنتهي المسرحية بسقوط شابلن في حوض استحمام مليء بالماء مما ادى الى انتفاخ السروال وامتلاء عيون المتفرجين بالدموع بسبب الضحك .كان شابلن يدرك ان الفقر خير معلم وانه سيجعل الانسان يصمم على أن لا ينكسر في الحياة يكتب في مذكراته :” عليك ان تؤمن بنفسك ، ذلك هو السر ، فحتى عندما كنت اعيش في الماجأ ، أو اهيم على وجهي في الشوارع . كان علي أن اشعر بهذا الامتلاء الذي يأتي من الثقة الكلية بالنفس . ودون ذلك ، فان مصيرك سيكون الهزيمة ” .هكذا ولدت الشخصية التي اضحكت العالم ، كانت هذه الشخصية متعددة االالوان ، كما وصفها شابلن نفسه ، فهو آفاق ، ومهذب ، وشاعر ، وحالم ، يعيش في وحدة ، دائم الامل . وهو قادر على إيهام الآخرين بانه غني وعالم بكل شيء ، ومع هذا نجده يلتقط اعقاب السجائر او يسرق الحلوى من طفل ..كان شابلن مغرما برواية ثيربانتس ” دون كيشوت ” ويتذكر انه حصل على نسخة من بائع كتب قديمة ، كان يستعير منه الكتب يقرأها ثم يعيدها مقابل مبلغ زهيد ، فقد ادرك شابلن ان دون كيشوت وهو يهاجم طواحين الهواء يعي جيدا ما يفعل ، وهذا ما جعله شجاعا ، وكان شابلن يعتقد انه مثل دون كيشوت عليه ان يواجه طواحين الهواء من اجل ان يدرك حقيقة هذا العالم :” انني اؤمن بالمجهول ، بكل ما لا نفهمه بواسطة العقل ، اؤمن بان ما يتجاوز ادراكنا هو واقعة بسيطة في ابعاد اخرى ، وانه توجد في مملكة المجهول احتياطات هائلة من الطاقة لأجل الخير ” .في دون كيشوت الذي اكتشفه شابلن هناك تمجيد للحياة ،، الحياة كما هي ، دون تمييز بين سطحها واعماقها ، ان بطل ثيربانتس يجعل الحياة تلوح عابرة ، إلا انها مع ذلك دائمة ، ونشعر ونحن نتابع مصير دون كيشوت مثلما نتابع مصير صعلوك شارلي شابن ، وكأنهما يريدان ان يقولا بصوت واحد : لا تحتاج الحياة إلى معانٍ عميقة لتصبح جميلة خالدة ، لأنها مقدسة بكل ما فيها من عذاب ومصاعب ، هذه الرؤيا الى الحياة ، هي رؤية فنان ، انها مثل رؤيا شكسبير وديكنز وهيغو الثلاثي الذين كان يعشقهم شابلن ، رؤية تمجد الحياة دون ان تحاول البحث عن الاسباب .كانت اولى تجارب شارلي شابلن في القراءة ، هي الاطلاع على مسرحيات موليير ، وبتذكر انه شاهد فصولا من مسرحيات الكاتب الفرنسي الكوميدية تعرض على مسارح لندن ، وقال مرة انه تمنى لو مثل شخصية طرطوف وهو يرتدي ملابس وقبعة الصعلوك . ولد شارلي سبنسر شابلن في السادس عشر من نيسان عام 1889 في شقه باحد اطراف لندن ، كانت الشقة تبعث على الاكتئاب ، والداه مزيجا فرنسيا وايرلنديا ، الأب مغني اناشيد شعبية في المسارح ، اما الام ” هانا شابلن” فقد كانت ممثلة لادوار ثانوية كوميدية ، وبسبب ادمان الاب على الخمر عاشت العائلة في فقر مستمر ، تميزت طفولة شابلن بالحرمان ، وكان الجوع والبرد من الاحاسيس التي لازمته باستمرار . وعندما بلغ الخامسة من عمره وضعته والدته مع اخيه سيدني في ملجا للايتام ، لانها كانت عاجزة عن رعايتهما ، وهكذا عانى الطفل من خذلان والدته بعد ان عانى من جحود الاب ، في الملجأ سيتعرض لانواع شتى من الاذلال الجسدي والنفسي لمدة عامين ،بعدها عادت الام لاخذ ابنيها .. يقول انه خرج من الملجأ صبيا هادئا ، لكنه مصمم على ان يواجه الحياة :” عندما كنت اعيش في الملجأ او اهيم على وجهي في الشوارع بحثا عما يسد رمقي ويبقيني على قيد الحياة . كان علي أن اشعر بهذا الامتلاء الذي ياتي من الثقة الكلية بالنفس . ودون ذلك فان مصيري سيكون الهزيمة ” – شابلن ابي ترجمة اكرم حمصي – ، لم تدم فترة الرخاء التي عاشها شابلن مع امه بعد خروجه من الملجأ ، اذ لم يمض وقت قصير حتى يعود الى الجوع والتشرد ، لكنه كان فرحا فها هو حر خارج اسوار الملجأ ، في تلك السنوات عمل صبي حلاق وبواب في احدى المسارح او مؤدي رقصات في عروض مسرحية كوميدية ، يعترف ان الفقر كان المصدر الوحيد لاحلامه مثلما كان مصدرا للشقاء :” :”تلك طفولة الوقوف أمام مصيرك غير قادر على شيء .فقد كان علي أن أكبر وأن أتحمل المسؤولية، وأن أفرغ الى لقب يتيم قبل الأوان ” ، وتضاف الى هذه التراجيديا الحزينة لشابلن اصابة امه بمرض عقلي ،يكتب في يومياته :” في تلك الغرفة ، تغلب المرض والفقر على امي .وفي ليلة من الليالي رجعنا من الطريق انا واخي سيدني ، فوجدنا الغرفة خالية ، وحكى لنا الجيران ، ماذا حدث فبعد ظهر ذلك اليوم ، خرجت امي من غرفتها ، وجعلت تطرق ابواب الحي . وهي تقول للجيران : خذوا لقد احضرت لكم هدية جميلة ! وكانت تمد يدها اليهم بقطعة من الفحم .. واخطر اهل الحي رجال الشرطة ، وجاء ممرضون من المستشفى وحملوها معهم في عربة ” وستمضي اعوام قبل ان تعود الام مرة اخرى الى ولديها … يكتب سيدني شابلن :” كنا نعيش في حجرة ضيقة ، وكانت تمضي ايام ونحن بلا طعام . ولم تكن لدي ولا لدى شارلي احذية نلبسها . وكنا نرتدي احيانا حذاء امي لنخرج به الى الطريق حيث نحصل على الحساء الذي يوزع مجانا على الفقراء . وكان هو وجبتنا الوحيدة طوال اليوم ” – شارلي شابلن رائد الحرية ترجمة فتحي غانم – في رسالة يبعثها عالم النفس سيغموند فرويد الى احد معارفه يخبره فيها انه كان على وشك الكتابة عن واحد من اعظم فناني العصر ، ويقصد شارلي شابلن ، كان فرويد يرى أن مصدر الحزن الحقيقي لشابلن لم يكن بسبب الفقر والحرمان والطفولة الصعبة التي عاشها ، بل في فقدانه لوالدته ، ويشير فرويد الى ان شابلن “عبقري عظيم” ، وأشار بحزن إلى أنه كان يرغب في مقابلة شابلن ، الذي زار فيينا لكنه قطع رحلته القصيرة. ، في الرسالة ، أدار فرويد عينته التحليلية على أفلام تشابلن. اكد فرويد أن أعمال جميع الفنانين “مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بذكريات طفولتهم” ، ولم يكن شابلن استثناءً من ذلك ، قال فرويد ان شابلن يخرج على المشاهدين دوما بنفس الشكل ” الشاب الضعيف الذي لا حول ولا قوة له ، والذي تتحول الأمور إليه في النهاية بشكل جيد” ولكن هل يستطيع شابلن ان ينسى ” الأنا ” الخاصة به ؟ ” يتساءل فرويد ثم يجيب : ” على العكس من ذلك ، يلعب دائمًا الدور نفسه ، دور شبابه البائس لا يستطيع أن يفلت من هذه الانطباعات وحتى يومنا هذا يحصل على تعويض عن الإحباط والإهانات في تلك الفترة الماضية من حياته. إنه ، إذا جاز التعبير ، حالة بسيطة وشفافة للغاية. أن إنجازات الفنانين ترتبط ارتباطا وثيقا بذكريات طفولتهم وانطباعاتهم وقمعهم وخيبة أملهم ” .كان شارلي شابلن يرى ان موهبته تاتي من ” ادراكات خارج نطاق الوعي الحسي ” ، نوع من الحاسة السادسة التي قادته بشكل مستمر الى اكتشاف امور لا يمكن بلوغها عن طريق العقل ، بل الحدس وحده هو المدخل إليها . . لكنه يعارض فرويد في نظريته حول موقع الجنس من السلوك والشخصية ، معتبرا انه ” من شأن البرد والجوع والخجل الناتج من الفقر ان تؤثر اكثر على نفسية الانسان ” .يخصص الفيلسوف الفرنسي وعالم الاجتماع إدغار موران ” فصلا في كتابه ” نجوم السينما – ترجمه الى العربية ابراهيم العريس – للحديث عن شخصية شارلو التي قدمها شارلي شابلن ، يقول فيه ان هذا ” الصعلوك ” الذي نجده بطلا مركزيا ، هو بائس لانه فقير ، شريد ، صفر في المجتمع و ” ابله ” بالمعنى الدوستويفسكي لانه بريء ، بسيط العقل ، لا علاقة له بالجنس ، ” الصعاليك الهزليون هم بالتعريف صاخبون ، ساذجون وبلهاء . لايفعلون اكثر من التعبير عن براءتهم العميقة . براءة تكاد تكون طفوليه ، ومن هنا تألفهم مع الاطفال كما في ( شارلو والصبي ) ، ويتفق موران مع فرويد بان اللاوعي يلعب دورا في تصرفات بطل شارلي شابلن ، فهو بريء . يهرع نحو الموائد العامرة بالطعام ويعانق كل ما يبدو له جميلا . يترجم رغبته كلها فوريا الى افعال ، ويقوم بلمس الاشياء الممنوع لمسها :” نحن نطيع وعينا ، اما شارلو فانه يطيع لاوعيه ” .لكن موران يتفق مع شابلن في معارضته لنظرية فرويد في الجنس :” بطل شابلن بريء جنسيا ، فهو لا يمتلك المواصفات السيكلوجية للرجولة ، بل انه يبدي ، في اغلب الاحيان ، امارات تأنث .. الى درجة انه غالبا ما يحدث له أن يتنكر في زي امرأة ، وهو اخرق امام الصبايا ، لا يجرؤ على تقبيل الصبية حتى حين تقدم له شفتيها ” . ويشير موران ايضا الى تأثر شارلي شابلن بشخصية دون كيشوت ، فشارلو يتمتع بسمة فروسية ” صحيح ان شارلو يواصل هنا تقاليد الشخص التافه ، والعبد ، الذي يرتجف خائفا من ظله ، ولكن حين يتعلق الامر بالغرام ، نراه مدافع عن الحسناوات المهددات ، ومنقذا لهن ” . ويذهب موران الى ان شارلو مزيجا غريبا من دون كيشوت وتابعه سانشو ، فهو يجعل من نفسه قربانا للآخر :” في السيرك نجد شارلو يسلم الاخرين سعادة تم الحصول عليها بفضله ، وفي اضواء المدينة يترك نفسه يسجن ، محروما من النور والنهار ، كي تتمكن الصغيرة العمياء من استعادة بصرها . ونرى شارلو في معظم افلامه يكرس نفسه للمراة المصابة ، للفتاة الشابة الغارقة في اليأس ، وللطفل الجريح اجتماعيا ، وفي كل مرة يحدث ان تتحول التضحية خلاصا للاخر ، حياة جديدة وبعثا لهذا الآخر ” . يخبرنا شابلن ان والدته هي التي علمته التمثيل ويصفها بانها اعظم فنانات البانتومايم :” كانت تجلس لساعات طويلة امام النافذة تراقب الناس في الشارع ، ثم ارى في عينيها وتعبيرات وجهها وحركات يديها ما تراه امامها . ومن خلال متابعتها والاستماع لملاحظاتها ، تعلمت كيف اعبر عن مشاعري بيدي ووجهي ، وتعلمت أن التقط وادرس تعبيرات البشر فيمكنني التعرف على الحالة النفسية لأي شخص من خلال مظهره وحركاته ” .بعد دخول امه الى المصحة ينتقل للعيش مع والده وزوجته في بيت ضيق يقول في مذكراته :” اذكر انني كنت في المدرسة . ولدى عودتي كانت لويز – وزجة والده – كثيرا ما تضيق بنا ، فتدفعني انا واخي خارجا ، لنظل ساعات هائمين على وجهينا . لا نعرف مكانا نذهب اليه ” .وهو يؤكد ان هذا التسكع هو الذي اعطاه تلك الخبرة بحياة مختلف الطبقات في لندن . في سن الثامنة والعشرين اصبح شابن مليونيرا ، فقد استطاع خلال اربع سنوات ان يقدم ما يقارب المئة فيلم ابرزها ” شارلي البطل ” و” شارلي الافاق ” و” حياة كلب ” ، وعندما نطقت السينما عام 1928 رفض شابلن الانضمام اليها وظل يخرج ويمثل الافلام الصامتة حيث قدم خلال هذه الفترة ابرز اعماله ” البحث عن الذهب ” و” السيرك ” واضواء المدينة” و ” الازمنة الحديثة ” واختتم هذه المرحلة بفيلم ” الدكتاتور العظيم ” الذي انتج عام 1940 ، وكان هذا الفيلم الذي سخر فيه من هتلر هو أخر فيلم تظهر فيه شخصية ” المتشرد “. وجد بعض النقاد نقاط للشبه تجمع كل من شارلي شابلن وأدولف هتلر ، فهما من مواليد نفس السنة بفارق أربعة أيام فقط، وكلاهما أنتقل من حياة الفقر إلى مكانة بارزة في العالم، أما الشارب فقد وضعه شارلي قبل أن يصبح هتلر زعيماً، ربما كانت مصادفة، أو أن هتلر قلد شارلي شابلن بقصة شاربه كما يرى بعض المؤرخين. واستغل شابلن هذا التشابه وقام بدراسة شخصية هتلر من خلال مراقبة حركاته أثناء الخطابات، ليقدم فيلما يسخر فيه من الزعيم الالماني ، ويعبر فيه عن معاداة النازية والفاشية. وفي هذا الفيلم يستخدم الحوار الصوتي الذي لم يتقبله بشكل كامل، ولم يكن لديه خيار آخر، وأيضا بسبب يقينه أنها أفضل طريقة لإيصال رسالة سياسية. كتب شابلن معلقا بعد عرض الفيلم الفيلم : “على هتلر أن يضحك”..عام 1947 ظهر فيلم مسيو فيردو الذي كان فيلما ناطقا ، ثم جاء بعده فيلماه ” اضواء المسرح ” عام 1953 ، بعدها غادر هوليوود لاتهامه بأنه متعاطف مع الشيوعية ، ذهب ليستقر في سويسرا، مع زوجته الرابعة ” أونا ” ابنة الكاتب المسرحي الشهير يوجيل اونيل ، بعد 3 زيجات فاشلة .عام 1956 يقدم ” ملك في نيويورك الذي انتجه في بريطانيا بعد مغادرته الولايات المتحدة ، وكان اخر فيلم يمثله ، وفيه يسخر من التلفزيون والاعلانات الامريكية ومطاردة لجان الكونغرس الامريكي للكتاب والفنانيين اليساريين .ينشر مذكراته ” سيري الذاتية عام 1964. وأصبح أكثر الكتب مبيعاً في العالم.بعد نشر مذكراته بوقت قصير، بدأ ش العمل على فيلم “كونتيسة من هونغ كونغ” 1967 ، وهو عبارة عن كوميديا رومانسية تدور احداثها في ثلاثينات القرن 20. كان الفيلم من بطولة “مارلون براندو” و”صوفيا لورين” وفي هذا الفيلم استخدم لأول مرة التصوير بالألوان ، وظهر فيه بدور ثانوي كخادم مصاب بدوار البحر. عرض فيلم “كونتيسة من هونغ كونغ” لأول مرة في كانون الاول عم 1967، تعرض لهجوم من النقاد، وفشل في شباك التذاكر. أصيب باحباط بإحباط بسبب ردة الفعل السلبية للفيلم، مما جعله الفيلم الأخير له.في أواخر ستينات القرن الماضي بدأ شابلن يتعرض لسلسلة من الجلطات الدماغية الطفيفة، مما يدل على بداية تدني حالته الصحية. وعلى الرغم من هذه النكسات، سرعان ما كتب سيناريو لفيلمه الجديد “غريب الخلقة”، وهيو قصة فتاة تملك أجنحة وجدت في أمريكا الجنوبية، وكان ينوي أن يجعل أبنته “فيكتوريا” تأخذ دور البطولة .. في عام 1971، حصل على وسام جوقة الشرف من رتبة قائد في مهرجان كان السينمائي. السنة التالية، حصل على وسام الشرف الخاصة من مهرجان البندقية السينمائي.في عام 1972، قدمت له جائزة الاوسكار الفخرية ، والتي اعتبرها النقاد كرد اعتبار لشابلن الذي منعته امريكا قبل عشرين عاما من العودة اليها . في منتصف سبعينات القرن الماضي بدأ يعاني من جلطات أخرى، مما جعله لا يستطيع التواصل، واضطر إلى استخدام الكرسي المتحرك. عام 1975، منحته الملكة إليزابيث الثانية وسام الفروسية ، في تشرين الاول عام 1977 ، بدأت صحته تتدهور ، وفي صبيحة يوم 25 كانون الاول عام 1977، توفي في منزله بعد تعرضه لسكتة دماغية خلال نومه.تعرض شارلي شابلن في نهاية الاربعينيات وبداية الخمسينيات لاضطهاد حقيقي في امريكا ، بسبب مواقفه السياسية والفكرية ، ومناصرته لحركات التحرر وبسبب تقديمه التبرعت للاتحاد السوفيتي الذي كان يقاتل النازية ، فضلا عن ذلك تأثره بالفكر الماركسي في تفسير العالم وفهم احداثه ، وهو أمر يمكن ملاحظته في العديد من افلامه وبالخصوص في ” الازمنة الحديثة ” والدكتاتور ” ، ونجده في سيرته الذاتية يؤكد على ” قوى المادية الديالكتيكية ” ودورها في تقدم الانسانية يقول :” ان الفقر لم تحد منه الحكومات بسبب حبها للبشر ، وانما بفضل قوى المادية الديالكتيكية ” ..كان مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي قد اجرى تحقيقا مع شارلي شابلن في السابع عشر من نيسان عام 1947، وقد طلب منه المحقق ان يذكر التنظيمات السياسية التي انتمى اليها ، فكان جوابه انه فنان مستقل . وفي رده على سؤال جحول علاقته بالاحزاب الشيوعية يجيب :” الحديث عن انتهاج المنهج الشيوعي يشوبه كثير من التعميم . واعتقد انه من الضروري ان نتحرى التحديد والتدقيق في مثل هذه الامور . ونتبين مما ذكرت هنا من اتباعي الخط الشيوعي يرجع الى النصر النهائي الذي احرزناه في حربنا ضد المانيا وهتلر . فقبل احراز هذا النصر لم اكن اتبع هذا الخط الشيوعي . كنت ولا ازال اؤمن بالدمقراطية . وبطبيعة الحال انا تقدمي ، تقدمي ليس بالمعنى الاشتراكي ، ولكن تقدمي من حيث ايماني بوحدة صفوف الشعب وبوجود شيء طيب في هذه الوحدة . كما اؤمن بكل ما من شأنه التخفيف عن كاهل الناس ورفع مستوى معيشتهم . اريد تجنيب العالم الفقر ” .يقول شابلن في تفسير ذلك القدر من العداء من قبل الجهات الرسمية الامريكية :” لقد كانت خطيئتي الكبرى اني غير امتثالي ” وهو يعرف نفسه بالقول :” أنا ما أنا ، فرد نسيج وحده ، خلفي كل ميراث الرغائب والحاجات ، مع كل الاحلام والتجارب الشخصية التي انا محصَّلتها ” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *