تصنيفات

12 يونيو، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

أرسطو وكتاب ” الأخلاق إلى نيقوماخوس ” ؟

كتاب “الأخلاق إلى نيقوماخوس” هو بالتالي “وصية فكرية أخلاقية سياسية” وجهها الفيلسوف الإغريقي إلى ابنه البكر ملخصاً فيها آراءه الأخلاقية والاجتماعية، السياسية، في تمايز عن كتابه السياسي الآخر “السياسة” الذي يبدو في هذا السياق تقنياً أكثر منه سياسياً رغم عنوانه. والحقيقة أن “الأخلاق” ينتمي إلى القسم من مؤلفات أرسطو الذي يوصف عادة بأنه “عملي وإنتاجي”، وهو قسم يضم مؤلفاته التي تُحدد بوصفها سياسية من جهة وأخلاقية من جهة، علماً أن هذا التمييز بينها ليس تمييزاً حقيقياً، بل توصيفاً لفرعين لهما أصل واحد يدعوه أرسطو نفسه “العلم المدني”؛ أي بالتحديد بالسياسة في علاقتها بالإنسان وليس هنا فقط بالدولة كمؤسسة لتنظيم العلاقات بين الأفراد. ومرد ذلك أن “الحياة الفاضلة التي هي موضوع الأخلاق مرتبطة بسلامة النظام السياسي”. وبالتالي، فإن الفضيلة هي النقطة الأهم، وبخاصة لأن الفضيلة يحدث لها وبشكل متواصل أن تصطدم بالسعادة، ما يفترض أن ثمة صراعاً دائماً بينهما.

والسؤال الأساس هنا هو: كيف أصل إلى السعادة التي هي في نظر أرسطو الغاية القصوى للحياة البشرية، من دون أن أجد الفضيلة تسد الدروب عليّ؟ باللجوء إلى السياسة أي إلى مسايرة التنظيم الاجتماعي وليس فقط اتباعاً للسنن القانونية خوفاً من الدولة وضوابطها، بل بالتناغم مع تصور أخلاقي لا بد منه.

وحدة حال

هكذا، ضمن هذا الإطار ترتبط السياسة بالأخلاق ارتباطاً حتمياً لا غنى عنه. وفي هذا الإطار يقول لنا أرسطو، مثلاً في “الكتاب العاشر” من “الأخلاق إلى نيقوماخوس”: “لما كان الخير هو غاية كل شيء وكل فعل، كانت الأخلاق كما حال كل مبحث، فحصاً على خير ما، هو الخير الخاص بالإنسان من حيث هو إنسان”.  فما هذا الخير؟ يجيب أرسطو، “في البحث عن طبيعة هذا الخير ينبغي أن نميز بين الأفعال ونتائج الأفعال، وكلاهما من الغايات التي تسعى الكائنات العاقلة إلى تحصيلها. إلا أن الضرب الثاني من الغايات هو الأفضل، لأن الفعل من النتيجة هو بمنزلة الوسيلة من الغاية”.

ويواصل أرسطو التحليل هنا إلى ما كان عبّر عنه في مفتتح الكتاب من أن السعادة هي الغاية القصوى لوجود الكائن البشري باعتبارها الخير الأسمى، لا سيما بالنسبة إلى أولئك الذين لا يفصلون بين الفضيلة والسعادة، بحيث أن “الفاضل عندهم هو السعيد”. لكن هذا التأكيد لا يمنع هؤلاء، أي أصحاب هذا القول، من أن يختلفوا في ماهية السعادة؛ فثمة من العامة من يرون أن السعادة هي اللذة والثروة والجاه؛ بينما يرى الخاصة، “وعلى رأسهم أفلاطون وأصحابه أن الأشياء جميعاً ليست خيراً في ذاتها بل هي تستمد ماهيتها الخيّرة من مبدأ أسمى للخير قائم في ذاته وهو مبدأ أساس لكل خير آخر”. ومن الواضح هنا أن أرسطو يتمايز هنا تماماً عن أستاذه أفلاطون في تحديد للخير أهو في السماء أم في هذه الحياة الدنيا. ولعل هذا التمايز يظهر بأفضل ما يمكن في لوحة رافائيل “مدرسة أثينا” حيث نرى الفيلسوفين يتوسطان مركز اللوحة يسيران معاً لكن أفلاطون يشير بيده نحو السماء، فيما يشير أرسطو بيده نحو الأرض!

سيرة الإنسان الفاضل

انطلاقاً من هنا إذاً، تصبح نقطة المنطلق في المساعي الخلقية عند أرسطو، حياة الفضيلة الفعلية كما تتجلى في سيرة الإنسان الفاضل، لا المبادئ النظرية المجردة. وهذا المنطلق هو الذي يحدد كون “الأخلاق إلى نيقوماخوس” كتاباً في الأخلاق، وفي السياسة والاقتصاد في وقت واحد، استعاد فيه الفيلسوف جملة الأفكار التي كانت مطروحة لديه في كتابين آخرين له هما “الأخلاق إلى يوديم” الذي قد يمكن اعتبار “الأخلاق إلى نيقوماخوس” تطويراً له على ضوء تجارب الحياة العملية التي مكنت من القول، إن الكتاب الذي نحن بصدده هنا قد يكون وصية أرسطو السياسية الأخيرة، وقد تمازجت بوصيته الأخلاقية؛ و”كتاب الأخلاق الكبرى” الذي ثمة كثير من الشكوك تحيط بصحته، ويرى البعض أنه مجرد تجميع لشذرات غير متآلفة دُونت من قبل تلاميذ أرسطو في مدرسته الخاصة “الليكيوم”، التي أقامها كبديل عن مدرسة أفلاطون المعروفة بـ”الأكاديمية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *