تصنيفات

18 يونيو، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

هل كان ديكارت فعلاً مستقلاً من علوم الماضي تماماً؟

وفقاً إلى الحقائق العامة، فإن بواكير النهضة الأوروبية نهلت من علوم العرب، ولعبت حركة الترجمة الأوروبية من القرن الـ 11 إلى القرن الـ 13 الميلادي في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وصقلية دوراً بارزاً في نقل أمهات الكتب العربية إلى اللاتينية. ومن حيث المبدأ المعرفي، فإن ديكارت وغيره، قرأوا ما يخصهم من تلك التراجم واستفادوا من علومها.

وقبل الإجابة على سؤالنا الرئيس في هذه الدراسة، دعونا نستعرض باختصار منهج الشك عند ديكارت.

يركز ديكارت على ضرورة التفرقة بين الأفكار الواضحة، التي لا يطالها الشك أبداً، مثل الكل أكبر من الجزء، أو أن الشك لا يمكنه أن يضع نفسه موضع الشك من نفسه، كما في عبارته الشهيرة “أنا أفكر إذاً أنا موجود”. والأفكار غير الواضحة التي يطالها الشك، مثل الرمزية الأسطورية أو الدينية وما يتعلق بها تجاه الله، وفكرة الكمال الإلهي. إذ يبحث الناس ذلك من دون أن يدخلوا فيها معيار العلم في القوانين الطبيعية والرياضية.

كما يرى ديكارت أيضاً، أن المادة والروح (أو العقل) هما المكونان لهذا العالم والكون بأسره. فالأولى، لا تفكر ولها كثافة وتمتد متحركة في مكان. أما الثانية، فتفكر ولها إحساس وإرادة وليس لها كثافة ومكان. كما أن هذين الحدين متنابذان ولا يؤثر أحدهما على الآخر بأي شكل كان. فالوجود إنما يتكون من هذه الثنائية المطلقة. وبذلك، فإن العالم الطبيعي هو مادة متحركة، وعلى العلم اكتشاف القوانين التي تعمل فيه من أحداث وظواهر. وإذا جُردت الأفكار الرياضية من الواقع الموضوعي، حيث لا وجود لها إلا في العقل، فإن هذا العالم يصبح عالماً رياضياً. إذ إن معرفة الأساس الرياضي للمادة تعني الوصول إلى الحقيقة النهائية، التي هي عقلية محضة يكون مجالها في الاستدلال المنطقي والتركيب الرياضي ليس إلا.

وعليه، فبمقدورنا أن نصل إلى توضيح كلي للنتائج التي تترتب على المبادئ الأساسية الرياضية، التي تتكون منها الطبيعة من جهة، وإلى إثبات هذه المبادئ كونها في ذات الطبيعة نفسها من جهة أخرى. وبذلك يمكننا أن نستنتج أي جزء منها، إذ تصبح الطبيعة نظاماً منطقياً للتنبؤ وفقاً للأسس الرياضية.

وهكذا يؤسس ديكارت فلسفة علمية تجعل الطبيعة شيئاً مادياً، وفي الوقت نفسه تكون شيئاً مدركاً ضمن نطاق الفكر. وهو بهذا النهج يوجه ضربة قاضية إلى عقلية القرون الوسطى في أوروبا، وفلاسفتها المدرسيين الذين يرون أن الأحداث والظواهر في الطبيعة من تأثيرات خفية مستترة دوماً.

ومثلما يؤكد ديكارت على علم الطبيعة وعالمها المادي، فإنه يؤكد أيضاً على العالم العقلي المتسامي معها، إذ تكون العقول في هذا العالم الموضوعي حقائق لا يصلها الشك البتة. فالعقل هو “جوهر مفكر” خاصيته تكمن في التفكير فقط. فإذا قال قائل: أنا أفكر فيجب أن أكون موجوداً، ويقصد أنه موجود في حالة السير أو الأكل، فبحسب رأي ديكارت، أنه بمقدورنا التفكير في السير من دون أن نسير، وأن نفكر في الأكل من دون أن نأكل، إلا أننا لا نقدر أبداً أن نفكر في التفكير من دون أن نفكر. وهنا، تكون ثمة قضية واحدة لا يمكن أن تخضع إلى الشك التام، إذ كل فرد له يقين تام عن طريق الحدس المباشر في وجود فكره الخالص. فعندما يرى ديكارت إمكان إثبات وجود الله، فإن ذلك يكون إثباتاً قوياً إلى الأنا نفسها التي تجنب الإنسان الشك التام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *