تصنيفات

19 سبتمبر، 2021

أبجد

رئيس مجلس الأدارة / فاطمة العالم

نبوغ أسعد: أختلاف مفهوم السعادة بين الفلاسفة

كثرت الآراء والأقاويل حول مفهوم السعادة التي تنشأ عن إحساس خاص في أحوال خاصة، فالذي يرى أن السعادة في الغنى أو صحة البدن فإنه قد تولد هذا الشعور نتيجة تعرضه لمرض شديد أو فقر أشد والعكس صحيح، فلو تغيرت أحواله وكثر ماله عادت له صحته البدنية لتغير لديه مفهوم السعادة، وهناك من رأى أنها من اللذة الحسية كما رآه الفيلسوف اليوناني اويدوكس الذي أوعز على أن اللذة هي الخير الأعلى ويذهب في الاستدلال على هذا بأن جميع الكائنات ترغب في اللذة سواء كانت عاقلة أم غير عاقلة وتسعى لها على حين تصدى أرسطو لهذا الموضوع في كتابه الأخلاق، فقال: من ذا الذي يقبل أن تكون اللذة الحسية هي الخير الأعلى في الحياة إلا من يريد أن يفرق بين حياة الإنسان والحيوان وهذا ما قررته الشرائع وآمنت به الفلسفة وهذا هو الخطأ بعينه، فالرغبة تتوجه إلى الأشياء التي لا يختلف عليها العقلاء على أنها شر أما بعض اليونانيين فقد ازدروا أيما ازدراء مما قيل بل كان رأيهم أن السعادة كلها في قوة النفس التي تكمن في الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة وكلها فضائل تكفي لتحقيقها ولا تحتاج معها إلا ما هو خارج عن النفس كالثروة والزعامة، ومن أهم هؤلاء الفلاسفة أبقراط وسقراط وفيثاغورث الذين ارتأوا أن الفضيلة والسعادة وجهان لعملة واحدة ولا يمكن أن ينفصلا، وقد أكد أرسطو في كتاب الأخلاق على أنها الخير الأعلى ولم يجعلها مقتصرة على كمال النفس والصحة البدنية وسلامة الأعضاء والخيرات الخارجية على البدن بل تتمها بشرف المنبت ووسامة المحيا وحسن السمعة، وقد أطال في حساب هذه المتممات إلى أن قال لا نستطيع القول بأن الإنسان سعيد إذا كان لديه أولاد وأصدقاء ذوو أخلاق سيئة أو إذا فقد أحد الأولاد أو الأقرباء.
أما الفلاسفة العرب فكانت آراؤهم شديدة المغايرة ونفوا بشدة أن تكون السعادة في اللذة المحسوسة يقول فخر الدين الرازي: لا لذة في المعارف وما يسميه الناس لذة حسية كالمأكل والمشرب إنما هو دفع ألم الجوع والعطش وما يسمونه لذة خيالية كالزعامة، إنما هو دفع ألم القهر والغلبة، ومن البديهي أن يعترض الفلاسفة العرب على أن السعادة هي الخلو من الألم كما رآها الارتيابيون، بل تشكلت لديهم قناعات أكيدة أن السعادة تدور حول الفضائل النفسية مضافة إليها الخيرات البدنية والخارجية وهذا ما جعل الفارابي وابن مسكوي متفقين في الرأي بعد بحوث كثيرة مستفيضة وواسعة المدى ونظريات وتجارب من صلب الحياة وواقع البشرية أن الخلق الجميل وقوة الذهن عند الفارابي هما المسميان بالسعادة وهذه من مزايا الإنسان التي تكسبه الجودة والكمال في أفعاله، كما اتفق مع أرسطو على أنها الخير الأعلى، فيقول أرسطو عن هذا المفهوم: إن الفضائل النفسية هي الركن الأعظم في تقويم حقيقة السعادة، ولابد أن يكون لها متممات كالخيرات البدنية والخارجية، وكل امرئ يرى أن سعادته حسب ما يقتضيه العمل الذي يؤديه، فمثلاً سعادة المحامي في تمييز الحقوق والدفاع عنها بحزم وأمانة، وسعادة الطبيب في معرفة علة المريض ووصف الدواء المناسب له، وهكذا فإن السعادة على قدر إتقان الإنسان للعلم والصناعة وإتيان العمل على وجه الصحيح والإنسان ذو فضيلة روحية وجسمية وسعادته تتم لتحصيلهما بالأشياء النافعة والوصول إلى الحكمة الأبدية، فالسعادة هي حالة الإنسان الموافقة لإرادته وآماله المنبعثة من حدود الفضيلة، واليوم نحن خسرنا سعادتنا التي كانت بين يدينا حيث كنا نعيش في وطننا الذي يغدق علينا بثرواته المختلفة فحرمنا لذة الأمان والاستقرار كما حرمنا لذة الحكمة والتدبير عندما تفرقنا عن بعضنا، وسمحنا لهؤلاء الكفرة أن يتغلغلوا في بلادنا كما يتغلغل السرطان في الجسد السليم، فتساقطت السعادة من قلوبنا كما تتساقط المياه الصافية من بين الأنامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *